لم تعد الحرب مفهومة لكثيرين، بعدما بدأت بشعارات واضحة حول دعم الشرعية والقضاء على الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة، ثم تحولت إلى حرب مفتوحة بلا نهاية. وبعد أن تمكنت القوات الجنوبية من تحرير الجنوب والتقدم شمالاً، ووصلت ألوية العمالقة الجنوبية إلى مشارف الحديدة، توقفت العمليات بأوامر مفاجئة، أعقبها انسحاب تحت مسمى إعادة التموضع، لتدخل البلاد منذ ذلك الحين مرحلة “لا حرب ولا سلام”.
هذه المرحلة لم تستعد الدولة، بل كرست واقعاً منقسماً على الأرض. ظهرت منظومتان ماليتان وعملتان مختلفتان، وحكومتان وتشريعات متباينة، واقتصادات موازية وإيرادات موزعة بين سلطات متعددة، بينما تراجع الدستور والقانون إلى مجرد شعارات. ولم يبق من اسم الجمهورية اليمنية عملياً سوى العلم والنشيد، في ظل تعدد سلطات الأمر الواقع.
ومع تصاعد ضربات الحوثيين واستهدافهم للمنشآت والموانئ، لا تواجه تلك الهجمات إلا ببيانات الشجب والإدانة، بينما يزداد المواطنون معاناة واستنزافاً. والحقيقة التي يجب مواجهتها أن القرار اليمني بات مرتهناً للخارج؛ فالحوثيون يتحركون ضمن أجندة إقليمية، والشرعية بدورها فقدت قدرتها على المبادرة والدفاع عن نفسها وحلفائها الحقيقيين، وانشغلت بالحفاظ على مواقعها ومخصصاتها وامتيازاتها خارج البلاد.
الأخطر أن استمرار هذا العبث يعني تصفية ما تبقى من مفهوم الدولة وتحويل اليمن إلى ساحة لحروب الآخرين بالوكالة. فالدول لا تستعاد بالبيانات، والأوطان لا تبنى بالخطابات الإعلامية، والقرار الوطني لا يمكن إدارته بالوكالة.
وفي المقابل، أصبح الجنوب منفصلاً عملياً في إدارته وأمنه وجغرافيته عن مناطق سيطرة الحوثيين، وحرره أبناؤه بدمائهم، بينما تواجه مطالبه باستعادة دولته خطاباً عدائياً من إعلام الشرعية وشخصيات نافذة فيها. ويرى الكاتب أن هذا الرفض لا يرتبط بالحرص على الوحدة بقدر ما يرتبط بالمصالح والامتيازات.
فالقوى النافذة في الشرعية فقدت معظم جغرافيتها في الشمال، وأصبحت تعتمد على الجنوب باعتباره المجال الذي تستمد منه وجودها وإيراداتها ونفوذها، ولذلك ترى في استقلال الجنوب تهديداً مباشراً لمصالحها.
وتظهر المفارقة بوضوح في مناطق شمالية لا تزال خارج سيطرة الحوثيين، حيث تتصرف بعض المناطق كسلطات مستقلة، ولا تورد إيراداتها إلى البنك المركزي في عدن، ولا تلتزم بالمنظومة المالية التي يفترض أنها تمثل الدولة، بينما تستمر في مهاجمة الجنوبيين باسم الوحدة والجمهورية.
وبذلك تحولت “استعادة الدولة” من مشروع معلن إلى عملية لتقسيم النفوذ والمصالح، فيما يدفع المواطن الثمن، ويبقى الجنوب مطالباً بتقديم التضحيات بينما تُدار الدولة المزعومة من خارج حدودها.
