في عصرِ الزخمِ الدعوي الخالصِ كنا نلتقي أسبوعيا وأكثرها في منزلنا. لقاءٌ علمي بمدارسةِ القرآن والحديث والفقهِ والسيرة وغيرها. ونقاشٌ عملي لبرنامجِ الدعوةِ في محيطنا، وروحاني للصيام والمبيتِ وغيره ممَّا يزيدُ القلبَ طمأنينةً. وفي ليلةٍ دخل علينا أبي -رحمه الله- وجلس يستمعُ لنا.. ثم قاطعنا قائلا: يا عيالي الذي أنتم فيه طيبٌ.. لكن دعوني أُحَدِثُكم عن تجربةٍ مريرةٍ، أيام احتلال بريطانيا كان أخي سالمٌ -رحمه اللهُ- يلتقي هنا بالثوارِ ويدعمهم سلاحا ومالا كي يتحررَ الوطنُ.. ولما تحررنا -صوريا- كان التغييبُ والقتلُ جزاءَه منهم، وشاركه هذا الجزاءَ كثيرون من داعمي الحرية في منطقتنا ووطننا. وانصرف.

كان يتوجسُ حلولَ زمنٍ يتمكن فيه الخصومُ مِن حَرفِ المسيرِ والرؤيةِ، وتبديلِ الهدف والغايةِ، وتغييرِ الوسائل والأنشطةِ.. ولتحقيق ذلك يجب إزاحةُ وتحييدُ سليمي الفطرة وتقديمُ مَن يسيئون وهم يحسبون أنَّهم يُحسِنون صنعا، أو مَن يتعمدُ ذلك لتحصيل جاهٍ وقوةٍ ونيلِ هتافٍ وثروةٍ. وذلك يوم أراه قد حلَّ.

إنَّ الواقعَ اليوم هو استعمار بلباس تحرير وقيدٌ بغطاءِ حريةٍ. وذلك هو ما يعانيه كلُّ مكونّ سياسي ووطني.. إما لواقعٍ فُرِضَ عليهم، أو لتصفيةِ حساباتٍ أو غيرها… فالنتيجة واحدةٌ، مَن عصى فله العصا، ومَن تمردَ فله اللحدُ، ومَن لوطنه أخلصَ فله تنظيميا القصُ، ومَن صمتَ فله حظٌ وبختٌ، ومن رضي فله السخاءُ، ومن شارك فهو مباركٌ.

تتعددُ أشكالُ التصفيات، قتلا ونفيا، واعتقالا وتحييدا، والنتيجةُ واحدةٌ، يقود الوطنَ نحو الاحتلالِ والتدهور والدمارِ مَن رهنوا سيادتَهم وسلطتَهم لهذا وذاك من غيرِ أهلِهم، ومَن خذلوا شعبَهم بفتاتٍ من الدنيا وحياةِ رغدٍ بين عاصمةٍ وأخرى. أما المخلصون ساسةً وقادةً وجندا وإعلاما ونشطاءَ فهُمْ خارجُ صنعِ القرار، أو تحت الثرى، أو في خوفٍ بين عناءِ رحلتي شَظَّى الخريفِ ولَظَى الصيفِ. أما الشعبُ فيتسولُ أمنَهُ وسعادتَهُ وعزةَ وطنِهِ على الرصيفِ.

أبو الحسنين محسن معيض