عن ازدواجية الإعلام اليمني.. حوثي واحد ومكيالان
عندما يستهدف الحوثي بطائراته وصواريخه قوات دفاع شبوة الجنوبية، يلوذ الإعلام اليمني بالصمت البارد، أو يتعامل مع الخبر بجفاف، وكأن من استُهدفوا ليسوا سوى قتلى في نزاع جانبي لا يعنيهم، بل إن بعضهم يرى في استهداف القوات الجنوبية إضعافًا لطرف آخر في المعادلة.
لكن عندما يستهدف الحوثي نفسه، وبالطيران والصواريخ ذاتها، قوات طارق صالح في المخا، يستنفر ذلك الإعلام بأكمله، وتتحول منابره إلى ساحات للبكاء والنحيب، ويصبح الضحايا فجأة “شهداء الواجب والوطن”.
فهل هذه هي الوحدة التي يتغنون بها؟
العدو واحد، وهو الحوثي، الذي يستهدف الجميع، والسلاح واحد، من طائرات وصواريخ المليشيا، لكن الميزان الإعلامي أعوج؛ دماء الجنوبيين في شبوة تتحول إلى مجرد أرقام وقتلى، بينما دماء القوات في المخا تصبح شهداء وقضية وطنية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يزعمون الحرص على الوحدة والصف الوطني، بينما خطابهم الإعلامي يفرّق حتى بين دماء الضحايا، وفقًا لانتماء القوات وموقعها الجغرافي؟
وإلى أبناء الجنوب المرابطين في الجبهات: هل أدرك أبطالنا هذه الحقيقة؟ وهل استوعب أولئك الذين يندفعون بوفاء إلى ميادين القتال والتضحية أن نظرة هذه القوى وإعلامها إلى الجنوبي لن تتغير مهما قدم من تضحيات؟
وهل أدركوا أن دماءهم وأرواحهم قد تتحول، في نظر بعض هذه القوى، إلى مجرد ورقة تستخدم عند الحاجة، ثم يجري تهميشها ونسيانها عندما يتعلق الأمر بحقوق الجنوب وأرضه وشهدائه؟
الدماء التي تسقط في شبوة دفاعًا عن الأرض هي الدماء نفسها التي تسقط في أي جبهة أخرى، والشهيد الجنوبي الذي يرتقي في مواجهة الحوثيين ليس أقل وطنية من أي مقاتل يسقط في المخا أو غيرها.
وحين يرفض إعلامهم مساواة هذه الدماء بالدماء الأخرى، لمجرد أن أصحابها جنوبيون، فإن ذلك يكشف بوضوح أن مفهوم الشراكة والوحدة لدى البعض لم يتجاوز كونه شعارًا مستهلكًا، يُستخدم لاستقطاب أبناء الجنوب حين تكون هناك حاجة إلى مقاتلين، ثم يُدار لهم الظهر عندما يتعلق الأمر بحقوقهم وقضيتهم وشهدائهم.
المشكلة ليست في اختلاف التغطية الإعلامية فحسب، بل في عقلية تزن الدماء بمكيالين، وتتعامل مع الشهيد وفق هويته وموقعه، لا وفق تضحياته ومواجهته للعدو.
وهنا ينبغي لأبناء الجنوب أن يسألوا أنفسهم بوضوح: إذا كان الحوثي عدوًا للجميع، فلماذا لا تكون دماء ضحاياه محل اهتمام الجميع؟
العدو واحد، والدم واحد، لكن المواقف تكشف أصحابها.
