بينما يصارع المواطن في الجنوب للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة أزمة اقتصادية وانهيار متسارع للعملة، جاء المقترح حكومة الفساد لرفع تعرفة الكهرباء ليمثل طعنة جديدة في جسد مثخن بالجراح.

القفزة الجنونية بالأسعار للشرائح المرتفعة والتجارية لا تعني سوى زيادة عبء جديد على المواطن المنكود أصلاً.

توصية “الإفقار الدولي” وإملاءات الصندوق:

هذه القرارات الصادمة لا تنبع من رؤية وطنية تهدف للإصلاح، بل تأتي انصياعاً كاملاً لشروط صندوق النقد الدولي، الذي تصفه الشعوب بـ “صندوق الإفقار الدولي”.

يشترط الصندوق حزمة من الإجراءات القاسية كرفع الدعم بالكامل عن قطاعات حيوية كالطاقة، وتحرير الأسعار بذريعة تغطية العجز المالي للحكومة.

لكن تطبيق هذه المعايير المالية المجحفة على شعب يعيش أغلبه تحت خط الفقر هو جريمة معيشية مكتملة الأركان.. إنها سياسة تجويع وتجريد للمواطن من آخر شبكات الأمان، حيث يُجبر على دفع مبالغ خيالية شهرياً لمجرد تشغيل مكيف يحميه من حر الصيف القاتل ورطوبته الشديدة في العاصمة عدن والمدن الساحلية إذا توفرت الكهرباء، ليتحول حقه الأساسي في التنفس إلى “رفاهية” يُعاقب عليها بضرائب فلكية.

ارتدادات الكارثة على تفاصيل الحياة اليومية:

التأثير لن يتوقف عند فاتورة المنزل، فالكارثة الحقيقية تكمن في موجة التضخم التي ستضرب الأسواق المحلية؛ فالتاجر والمصنع سينقلان العبء مباشرة إلى المستهلك، مما يعني قفزة جديدة في أسعار الغذاء والدواء.

 كما أن رفع السعر على القطاع الزراعي سيهدد ما تبقى من محاصيل محليّة في أبين ولحج وحضرموت، مما يزيد معدلات الجوع وسوء التغذية بين السكان.

النفير نحو “ثورة الخبز والكهرباء”:

إن هذا الإمعان في سحق المواطن يقابله بذخ حكومي مفرط واستشراء للفساد في مفاصل الشرعية. فالشعب يرى بأم عينه “الشلّة العليمية” ومسؤوليها يعيشون في رغد العيش بالفنادق والعواصم الخارجية محاطين برعاية ودعم قوى إقليمية تغض الطرف عن صفقات الفساد المشبوهة في قطاع الطاقة وشراء الوقود المغشوش للمحطات.

هذا التناقض الصارخ بين فقر مدقع يطحن الأسر وفشل إداري يستوطن مايسمى (الشرعية)، يخلق بيئة لانتفاضة شعبية لا مفر منها.

 لم يعد لدى المواطن ما يخسره؛ فانقطاع الخدمة مع غلاء سعرها هو الوصفة المثالية لإشعال الشارع. إننا اليوم على أعتاب “ثورة الخبز والكهرباء” الجارفة، ثورة جياع لن ترحم الفاسدين ولا رعاتهم، فالشعوب قد تصبر على الجوع، لكنها لا تصبر على الإذلال والتركيع الممنهج.