القضية الجنوبية ليست مجرد ملف سياسي عابر، بل هي قضية معقدة تتداخل فيها الهوية والتاريخ والجغرافيا وثقل المصير. غير أن أخطر ما يواجهها ليس فقط التحديات الخارجية، بل طريقة إدارتها داخليًا، وطبيعة الخطاب الذي يُبنى حولها.
غالبًا ما يُدار النقاش حولها بمنطق عاطفي وأخلاقي صارم يقوم على معادلة “إما كل الحق أو لا شيء”، وهو منطق يبدو نقيًا في ظاهره لكنه في الواقع يضع الفاعل السياسي أمام طريق مسدود، ويحرمه من فرص التدرج وكسب الممكن.
السياسة، في جوهرها، ليست ساحة للعدالة المطلقة ولا مرآة للضمير وحده، بل هي فن إدارة الواقع واستثمار المتاح. فهي لا تسأل عن المثاليات، بل عن الممكن اليوم وما يمكن بناؤه غدًا. وهنا يظهر الفرق بين السياسة والأخلاق؛ فالأخلاق تحركها العاطفة والضمير، بينما السياسة تحكمها الحسابات والتوازنات.
المأزق يبدأ عندما يدخل الفاعل السياسي إلى السياسة بميزان أخلاقي صرف، فيطالب بالحق كاملًا دفعة واحدة، دون المرور بمراحل أو حسابات قوة، فيصطدم بواقع معقد لا يعرف القفزات، بل التدرج. وبهذا يتحول المشروع السياسي إلى حلم مؤجل لا يتحقق.
في المقابل، فإن الجمود السياسي عند الطرف الآخر الذي يتعامل مع الوحدة باعتبارها قيمة مقدسة غير قابلة للمراجعة، يخلق مأزقًا مشابهًا. فالوحدة كفكرة سياسية ليست ثابتًا مقدسًا، بل مشروعًا يحتاج إلى مراجعة وتطوير حتى لا يفقد شرعيته على الأرض. وعندما تُفرض بالقوة أو تُدار دون إصلاح، فإنها تتحول من مشروع جامع إلى عبء سياسي واجتماعي.
المشكلة إذن ليست في الحق نفسه، بل في طريقة التعامل معه. فالقوى التي ترفض الاعتراف بأخطائها تفقد قدرتها على التصحيح، وتتحول إلى كيانات جامدة لا تقرأ الواقع. وفي المقابل، القوى التي ترفض الممكن لأنها تريد الكمال، تبقى خارج دائرة التأثير.
في الحالة الجنوبية، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح؛ فهناك من يريد استعادة الدولة دفعة واحدة، وهناك من يرفض أي تغيير في الوضع القائم. وكلا الطرفين يقف عند حدود مثالية غير قابلة للتحقق، بينما الواقع يتحرك في اتجاه مختلف.
التجارب السياسية تُظهر أن التقدم لا يتحقق بالقفز، بل بالتراكم. فالقوى التي نجحت في الوصول إلى مواقع متقدمة لم تصل دفعة واحدة، بل عبر استثمار الممكن وبناء خطوات تدريجية. حتى القوى التي كانت طرفًا في صراعات كبرى، تعاملت مع الواقع بمرونة، واستثمرت الفرص المتاحة قبل أن تصل إلى أهدافها.
النية وحدها لا تكفي في السياسة؛ فقد تكون صافية، لكن دون حسابات واقعية قد تتحول إلى خسارة. فالمطلوب هو الجمع بين وضوح الهدف ومرونة الوسيلة، وبين طهارة المقصد ودقة التقدير.
القضية الجنوبية تحتاج إلى عقل سياسي يدير الممكن، لا إلى خطاب يكتفي بالمثاليات. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالخطوات المتدرجة التي تراكم المكاسب وتحول الواقع خطوة بعد خطوة.
الاستراتيجية الواقعية لا تعني التخلي عن الهدف، بل تعني فهم الطريق إليه. فاستعادة الحقوق لا تتم بالقفز على الواقع، بل بإعادة تشكيله تدريجيًا عبر أدوات سياسية محسوبة، وشراكات، وإدارة ذكية للصراع.
وفي النهاية، فإن السياسة ليست معركة “كل شيء أو لا شيء”، بل هي فن تحويل الممكن إلى طريق نحو الهدف. ومن يريد بناء دولة أو مشروع سياسي مستدام، عليه أن يبدأ ببناء العقل قبل الأرض، وبإدارة الصراع قبل حسمه.
فالوطن لا يُبنى بالعاطفة وحدها، ولا بالقوة وحدها، بل بمزيج من العقل والوعي والتدرج، حيث يقرر العقل متى تتحرك القوة، ومتى تتوقف، ومتى تُدار.
