تواجه الصحافة المعاصرة وبشكل خاص في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي تحدياً بنيوياً هائلاً يتعلق بالهوية المهنية والأخلاقية.

لم يعد التحدي مقتصراً على صعوبة الوصول إلى المعلومة أو القيود المفروضة على حرية التعبير بل بات يكمن في “لغة الخطاب” التي يختارها بعض الصحفيين والكُتّاب لمخاطبة الجماهير وتناول القضايا العامة الشائكة.

في الآونة الأخيرة طفت على السطح ظاهرة مقلقة تتمثل في لجوء بعض الأقلام الصحفية المعروفة إلى استخدام لغة صادمة تنحدر في كثير من الأحيان إلى السب والقذف الصريح والألفاظ السوقية النابية تحت مبرر “كشف الحقائق” أو “الوقوع تحت طائلة الغضب والصدمة من حجم الفساد”.

إن هذا الانزلاق اللفظي مهما كانت دوافعه الوطنية أو الإنسانية يمثل انتكاسة حقيقية لمعيار المسؤولية الإعلامية ويهدد بضرب القيمة الأخلاقية للرسالة الصحفية في مقتل.

إن قوة الصحفي لا تكمن في قسوة شتيمته بل في نصاعة حقيقته وقوة حُجّته.. عندما يُقدّم الصحفي بالأرقام والبيانات الرسمية دليلاً على قفزة هائلة في الإيرادات العامة (كفوارق ضرائب القات على سبيل المثال)، فإنه يضع بين يدي الرأي العام مادة ثرية للنقاش والمساءلة والمحاسبة.. فالأرقام تملك زئيراً خاصاً بها لا يحتاج إلى استعارة مفردات الشارع الهابطة لإيصاله.

 وحين يتخلى الكاتب عن رصانة القلم ويتجه نحو استخدام عبارات قاذفة ومستهجنة فإنه يقدم “خدمة مجانية” للفاسدين إذ يتحول اهتمام الجمهور تلقائياً من مناقشة قضية الفساد والمليارات المنهوبة إلى صدمة من تدني أخلاقيات ولغة الكاتب وبذلك تموت القضية الأساسية في مهدها.

إن الرسالة الإعلامية تقتضي بالضرورة الالتزام بالدور التنويري.. فالصحفي ليس مجرد ناقل للغضب بل هو موجّه ومؤطر ومسؤول عن الارتقاء بالوعي العام وبأدبيات الحوار المجتمعي.

 إن النزول بالخطاب إلى مستويات بذيئة لا يخدم سوى تعزيز ثقافة الاستقطاب الحاد، وتأصيل لغة الكراهية، وتشويه صورة الصحافة كـ “سلطة رابعة” يُفترض بها أن تمثل النخبة الفكرية والأخلاقية للمجتمع.

من هنا نوجه دعوة صادقة وحثيثة إلى كافة الصحفيين والكُتّاب، بضرورة الابتعاد التام عن هذه اللغة الهابطة والالتزام الصارم بمواثيق الشرف الإعلامي.

 يجب أن نظل مدركين تماماً للأثر العميق الذي تتركه الكلمة في وعي الأجيال.. الكشف عن الفساد ومحاربة العبث بالمال العام معركتان نبيلتان، والمعارك النبيلة لا تُخاض بأسلحة ملوثة بالبذاءة.. لنحافظ على رصانة أقلامنا، ولنجعل من موضوعية الطرح وعمق التحليل سلاحنا الأقوى حتى يظل الإعلام منبراً للبناء والتغيير الإيجابي لا ساحة للمهاترات والشتائم.