تعيش عدن كارثة إنسانية وأخلاقية حقيقية، أشبه بجريمة إبادة جماعية.
فالناس باتوا بقايا بشر، يفترشون الشوارع ويلتحفون السماء بحثًا عن بقايا حياة كريمة.
لم تعد شرعية «العليمي» تمثلنا، فقد كانوا يبيعون لنا المذلة، وصاروا اليوم يبيعون الموت.
لكن ما يقلقنا حقًا هو مواقف المجتمع الدولي ومنظماته وهيئاته الحقوقية والإنسانية، التي يكاد جميعها يلتزم الصمت تجاه المأساة التي تعيشها عدن.
يؤسفنا أن العالم اكتفى بالمراقبة، وأن الرباعية الدولية تركت البلاد والعباد يواجهون مصيرًا مجهولًا.
بعثات دبلوماسية، ومديرو مكاتب، وممثلو هيئات ووكالات أممية مختلفة لديهم مقرات في عدن، ولم يتحركوا لإغاثة الناس، رغم أن من صميم أدوارهم التدخلات الإنسانية والمشاريع الإنمائية.
لم نسمع المبعوث الأممي يعبر عن قلقه، ولم نرَ السفيرة «عبده» تدين معاناة الناس أو «كمون» تشجب ما يحدث، وكأن من يعانون في عدن خارج دائرة الاهتمام الإنساني.
السيد «برت سكوت»، مدير مكتب المبعوث الأممي الخاص، كان يسارع إلى إدانة أي حادثة في عدن ويبادر إلى إبداء القلق والأسف، أما اليوم فقد غابت الاستجابة لاستغاثة ملايين البشر، وكأن مأساتهم لا تستحق حتى كلمة تعاطف.
والأمر الآخر الذي يثير التساؤل هو غياب السفيرتين عبده وكمون عن المشهد.
فعبده شريف، سفيرة المملكة المتحدة، كانت حاضرة في الندوات والفعاليات واللقاءات مع المسؤولين والمكونات والصحفيين، حتى اعتاد الناس على نشاطها المستمر.
أما السفيرة الفرنسية «قرم كمون»، فكانت تزور الوزارات والمؤسسات الحكومية بصورة متواصلة، وتتصدر أخبارها الصحف والمواقع بشكل يومي.
ولم يقتصر نشاط «كمون» على الزيارات الرسمية، بل كانت حاضرة في مختلف الفعاليات والمناسبات داخل المدينة، حتى أصبحت من أكثر الشخصيات الدبلوماسية حضورًا في المشهد العدني.
أما اليوم فقد اختفت السفيرتان دبلوماسيًا وإنسانيًا، ولم يعد لهما حضور أو موقف تجاه ما تعيشه المدينة من معاناة.
ندرك أن ما يحدث جزء من لعبة أكبر، وأن الوعود الدولية التي رافقت المرحلة لم تترجم إلى مواقف أو إجراءات تخفف من معاناة الناس أو تواكب حجم الكارثة.
والمصيبة أننا لا دخلنا هذا الواقع بإرادتنا، ولا نستطيع الخروج منه بإرادتنا.
ياسر محمد الأعسم
عدن – 10 يونيو 2026م
