يطلّ العيد على سماء الجنوب هذا العام، حاملاً معه البهجة المعتادة التي تزيّن الأفق، لكنه يطرق أبواباً أثقلتها الهموم، وأنكأتها الظروف المعيشية القاسية.. بين أزقة المدن وشوارعها وقرى الأرياف وطرقاتها، تتسلل دمعة صامتة من عين أبٍ عاجز، وتخبو فرحة في قلب طفلٍ كان يحلم بثوب جديد، ليتحول بيت الشعر الخالد للمتنبي من مجرد استعارة أدبية إلى واقع مرير يعيشه ملايين المواطنين الذين طحنتهم الأزمات المتلاحقة وتوسع دائرة الفقر بشكل غير مسبوق.
انكسار الفرحة:
ملابس العيد حلم مؤجل في الأسواق التي كانت تضج بالحياة والحركة، تبدو الأجواء هذا العام مغايرة تماماً. المحلات مكدسة بالبضائع، لكن جيوب المواطنين خاوية. لقد أدى الانهيار الاقتصادي المتسارع، وتدهور العملة المحلية، إلى قفزات جنونية في أسعار الملابس والأحذية، مما جعل كسوة طفل واحد تلتهم راتب موظف بأكمله إن وُجد.
يطوف الآباء في الأسواق، يقلبون بأسى بطاقات الأسعار ،ويفتشون عن الأرخص، لكن الغلاء توحش .. ثم يعودون بخفي حنين، مجبرين على مواجهة أطفالهم بأعذار تدمي القلوب، لتصبح ثياب العيد القديمة أو المرقعة هي الخيار الوحيد المتاح، وينكسر في أعين الصغار بريق العيد المنتظر.
غياب الأضحية، وعدم القدرة على الشراء:
شعيرة تغادر بيوت البسطاء لا تتوقف المعاناة عند حدود المظهر والملبس، بل تمتد لتطال جوهر الشعائر الدينية؛ فالأضحية التي تُعد رمزاً للتكافل والفداء، باتت هذا العام حكراً على القلة القليلة من الميسورين. واجه المواطنون في الجنوب العربي ارتفاعاً قياسياً وخيالياً في أسعار المواشي بالريال السعودي!! حيث تجاوزت قيمتها (1000- 1500ريال سعودي ) وهو ما يفوق القدرة الشرائية للمواطن .
هذا الغلاء الفاحش حرم آلاف العائلات من إحياء هذه السنة المؤكدة، وحرم أطفالهم من بهجة رؤية الأضحية، لتخلو موائد العيد في بيوت الفقراء من اللحوم، وتغيب معها مظاهر التكافل الاجتماعي التي طالما تميزت بها مجتمعاتنا.
واقع معيشي مرير وتوسع خط الفقر:
هذا المشهد المؤلم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لسنوات من الأزمات الاقتصادية الخانقة التي ترعاها الحكومة الفاسدة.
كما أن انقطاع المرتبات أو ضعفها الشديد مقارنة بالغلاء، زاد الوضع سوء .. إضافة إلى غياب الرقابة في الأسواق التي شجعت جشع التجار وعدم خوفهم من العقوبة ، كل ذلك أدى الى مضاعفة مواجع وآلام المواطن .
لقد اتسعت رقعة الفقر في الجنوب العربي بشكل مرعب، لتلتهم الطبقة الوسطى تماماً، وتدفع بغالبية المواطنين تحت خط الفقر المدقع. وغدت لقمة العيش اليومية وتوفير المتطلبات الأساسية من غذاء ودواء هي المعركة الحقيقية التي يخوضها رب الأسرة كل صباح، تاركاً وراء ظهره كماليات العيد وفرحته المؤجلة.
لله الأمر من قبل ومن بعد:
سيمضي العيد كما مضت أعياد كثيرة من قبل، وستبقى القلوب مؤمنة صابرة، لكن المأساة الإنسانية التي يعيشها المواطن في الجنوب تضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
إن العيد الحقيقي لن يكتمل، ولن تكتسي أيامه بالبهجة، طالما هناك طفل يبكي انكساراً، وأب يئن عجزاً .. يحتاج البلد اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى لفتة جادة وحلول اقتصادية حقيقية تنتشل المواطن من مستنقع العوز، ليعود العيد في قادم السنوات باسماً ومعبراً عن الفرح لا عبئاً ثقيلاً يجدد المواجع.
