*- شبوة برس – خاص
في عدن، المدينة التي عرفت الكهرباء والغاز ومظاهر الحياة الحديثة منذ عقود طويلة، يعود المواطن اليوم إلى الحطب والفحم بحثاً عن وسيلة يطهو بها طعام أطفاله. صورة جمل يجر عربة محملة بالحطب في شوارع عدن بتاريخ 27 أغسطس 2026 ليست مجرد صورة عابرة، بل مشهد صادم يختصر حجم الانهيار الذي يُدفع إليه المواطن الجنوبي.
أي زمن هذا الذي يريدون إعادة عدن إليه؟ ومن الذي عبث بعداد الزمن حتى أصبحت شوارع المدينة التي نسيت الطبخ بالحطب منذ مطلع القرن العشرين تستقبل الجمال وهي تحمل وقوداً بدائياً لإطعام الأسر؟
إنها ليست مأساة نقص غاز فحسب، ولا أزمة خدمات عابرة. إنها إهانة قاسية للمواطن الذي يُترك وحيداً في مواجهة الجوع والحرمان، بينما المسؤولون يتبادلون البيانات والتبريرات، ويبحثون عن مخارج سياسية لا علاقة لها بمعاناة الناس.
واللعنة على كل من يتعمد تعذيب الأبرياء وتجويعهم وتركيعهم، ثم يتوهم أن الجوع سيجعل الجنوب العربي يتنازل عن قضيته، أو أن انقطاع الغاز والكهرباء سيجبر شعبه على قبول حلول سياسية منقوصة تُبقيه تحت الوصاية وتعيد إنتاج الاحتلال اليمني للجنوب العربي تحت عناوين جديدة.
أي عقل سياسي هذا الذي يعتقد أن المواطن الذي حُرم من أبسط مقومات الحياة سيقبل في المقابل بالتنازل عن حقوق شعبه؟
والأشد إيلاماً أن ما يحدث في عدن لا يبدو منفصلاً عن حالة العجز السياسي والإداري التي جعلت مصالح المواطن آخر ما يُفكَّر فيه. فبدلاً من مواجهة الجهات التي تملك أدوات الضغط، نرى سياسة صمت وتغاضٍ وتوافقات تترك المواطن الجنوبي يدفع الثمن.
ومن المؤسف أن تتحول قضية الغاز إلى ورقة ضغط على مدينة عدن وأهلها، بينما تظل السلطة الرسمية عاجزة عن تقديم تفسير مقنع لهذا الانهيار المتواصل.
يا رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ويا رئيس الحكومة اليمنية، هذه الصورة موجهة إليكما قبل غيركما: مواطن في عدن يبحث عن الحطب ليطهو طعام أطفاله، وجمل يجر عربة خشبية في شوارع مدينة يفترض أنها عاصمة مؤقتة لدولة تدّعي امتلاك مؤسسات وسلطات وحكومة.
فإذا كانت هذه هي الخدمات التي تقدمونها للمواطن، فماذا بقي من الدولة سوى الأسماء؟
ولا تظنوا أن تجويع الناس وتركيعهم بالخدمات سيصنع قبولاً سياسياً. التاريخ لا يُكتب بالغاز المنزلي، لكن من المؤكد أن إذلال الناس لن يمحو قضية شعب، ولن يجعل الاحتلال شرعية، ولن يحول الاتفاقيات المنقوصة إلى حقائق تاريخية.
عدن لا تستحق أن تعود إلى عصر الحطب والفحم.
وأطفال عدن ليسوا وقوداً لمشاريع سياسية، والمواطن الجنوبي ليس رهينة لتصفية الحسابات، والجنوب العربي لن يصبح أقل تمسكاً بحقوقه لأنه حُرم من أسطوانة غاز.
من يعتقد أن بإمكانه تركيع شعب كامل بالتجويع والخدمات، عليه أن يتذكر أن الظلم لا يصنع الاستسلام، وإنما يصنع غضباً لا يعرف أحد إلى أين يقود.
صورة اليوم من عدن تقول كل شيء: جمل يحمل الحطب، وأسرة تبحث عن لقمة ساخنة، ومسؤولون يفترض أنهم يديرون دولة.
يا لها من مفارقة سوداء في مدينة كانت قد ودعت الحطب منذ أكثر من قرن!
