ليس مؤلمًا أن يختلف الناس في أفكارهم، فاختلافهم جزء من طبيعتهم، لكن المؤلم أن يكون بين أيدينا طريق واضح، ثم نسير في الاتجاه المعاكس. نقرأ عن الرحمة ونمارس القسوة، نتحدث عن العدل ونبحث عن استثناء لأنفسنا، نطالب بالصدق ونختلق الأعذار عندما نكذب، ونرفع راية الأخلاق ثم نتركها عند أول اختبار حقيقي.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا: نحن أمة لا تشبه تعاليم دينها.

لدينا دين جعل الرحمة أصلًا في التعامل، وربط الإيمان بالأخلاق، وجعل كف الأذى عن الناس عبادة، وأمر بالعدل والإحسان. ومع ذلك، نغضب سريعًا، ونشتم أسرع، ونحوّل الاختلاف البسيط إلى معركة شخصية، ثم نتحدث عن التسامح وكأن الأمر لا يعنينا.

المشكلة ليست أننا لا نعرف التعاليم. فهي حاضرة في القرآن والسنة والخطب والكتب وذاكرة الأجيال. نعرف أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن العفو أقرب للتقوى، وأن الله يأمر بالعدل والإحسان، وأن الإنسان مسؤول عن لسانه ويده. لكننا ارتكبنا خطأً غريبًا: حولنا الأخلاق من ممارسة إلى معلومات.

أصبح بإمكان الإنسان أن يتحدث عن الصدق دون أن يكون صادقًا، وعن الرحمة دون أن يكون رحيمًا، وعن التواضع بينما يرى نفسه فوق الآخرين.

والأخلاق الحقيقية لا تظهر في المجالس ولا أمام أصحاب النفوذ، وإنما في تعاملنا مع من لا نحتاج إليه: العامل، الموظف الصغير، عامل النظافة، البائع، السائق، والإنسان الضعيف. فمن السهل أن تكون لطيفًا مع شخص تملك منه مصلحة، لكن الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما لا يكون أمامك سبب لاحترام الآخر سوى أنه إنسان.

وفي البيت تظهر الحقيقة أكثر. قد يكون الإنسان مؤدبًا أمام الناس، لكنه قاسٍ مع أسرته، سريع الغضب، مرتفع الصوت. والحال نفسه قد ينطبق على المرأة. فما قيمة الأخلاق إذا كان أقرب الناس إلينا لا يشعرون بها؟

ليس المطلوب أن يكون الإنسان ملاكًا، وإنما أن يعرف أبناؤه أنه يخطئ ويعتذر، وأن يعرف أهله أنه قد يغضب لكنه لا يهين، وأن يعرف من حوله أنه يختلف دون أن يجرح.

ثم نخرج إلى الشارع، فتختفي كثير من التعاليم الجميلة. طابور الغاز يتحول إلى معركة، والطريق إلى حلبة سباق، والإشارة المرورية إلى اختبار للأعصاب. نشتكي من الفوضى ثم نساهم في صناعتها، نلعن الفساد والرشوة ثم نبحث عن الواسطة، ونطالب بتطبيق القانون بشرط ألا يبدأ بنا.

وفي السياسة تتكرر المفارقة نفسها. إذا كان الآخر في السلطة تحدثنا عن الظلم، فإذا وصلنا إليها اكتشفنا أن الظروف معقدة. وإذا صادر خصمنا رأيًا قلنا إنه قمع، وإذا فعلنا الشيء نفسه قلنا إنه حماية للمصلحة العامة. نحن لا نغير المبادئ دائمًا، بل نغير موقعنا منها.

وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتكشف هذه الازدواجية أكثر. نكتب عن التسامح ثم نشتم من يختلف معنا، ونطالب بحرية التعبير ثم نرفضها عندما لا توافق آراءنا. وإذا عجزنا عن الرد على الفكرة هاجمنا صاحبها وعائلته وماضيه.

كما أن التدين لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مظهر. فليس كل من أكثر الحديث عن الدين أكثر الناس التزامًا بأخلاقه، وليس المظهر الديني وحده دليلًا على الفضيلة. الدين الذي لا يجعل الإنسان أكثر رحمة وأمانة وعدلًا وتواضعًا يحتاج منا أن نسأل أنفسنا: ماذا فهمنا منه؟

ومع ذلك، لا ينبغي إنكار الخير الكثير في مجتمعاتنا. هناك أناس يحملون من النبل والكرم والرحمة ما يجعلهم أجمل من كثير من الكلام الذي نكتبه عن الأخلاق. لكن الخير لا يكفي إذا ظل استثناءً؛ المطلوب أن يصبح السلوك الحسن قاعدة، وأن يكون احترام الآخر طبيعيًا، والصدق عادة، والاعتذار شجاعة، والاختلاف أمرًا طبيعيًا لا سببًا للعداوة.

في النهاية، الناس لا يتذكرون كم تحدثنا عن الأخلاق، بل كيف جعلناهم يشعرون. هل حفظنا كرامتهم أم أهنّاهم؟ هل أنصفناهم أم ظلمناهم؟ هل كنا عونًا لهم أم عبئًا عليهم؟

الدين لا يحتاج منا إلى مزيد من الخطب بقدر ما يحتاج إلى أن نمارسه في حياتنا، وأن ننقله من الكتب إلى الشوارع، ومن المنابر إلى البيوت، ومن المنشورات إلى السلوك.

فالمشكلة ليست في تعاليم الدين؛ المشكلة أننا لم نتعلم بعد كيف نشبهها. ولو أصبح سلوكنا صورة صادقة لما نؤمن به، فلن نحتاج إلى إقناع العالم بعظمة ديننا، لأنهم سيرون ذلك فينا.