في الحروب الوطنية التي تخوضها الشعوب لاستعادة دولتها وهويتها، هناك قاعدة تاريخية ثابتة لا تقبل التشكيك: “النصر يصنعه من يتقاسم مع الجنود لقمة العيش وغبار الخنادق”.
لكن في المشهد اليمني يبدو أن هذه القاعدة قد كُسرت وتشوّهت لتنتج واقعًا مريرًا يتواجه فيه طرفان من ذات المعسكر المناهض للانقلاب:
جندي حافٍ في المترس يواجه الموت بلا راتب، وقائد يرتدي البدلات الفاخرة يطلق وعيد الحسم في مواقع التواصل أو من وراء شاشات التلفاز في عواصم الإغتراب.
هذا التناقض الصارخ لا يمثل مجرد خلل إداري، بل هو مأزق أخلاقي يضرب عدالة القضية في مقتل.. فكيف يستقيم عقلًا أن يقيم من يسمى “قادة وسياسيون” يدّعون قيادة معركة التحرير، في عواصم إقليمية ودولية مستقرة لسنوات طوال يتقاضون مخصصات ضخمة وإعاشات بالعملة الصعبة تضمن لهم ولأسرهم رغد العيش بينما الجندي المرابط في الجبهات لا يجد مائتي ريال سعودي يسد بها رمق أطفاله، وحتى هذا الفتات لا يصل إليه بانتظام؟
إن أخطر ما أحدثته هذه الفجوة المالية والمعيشية هو تآكل العقيدة القتالية وإحباط الروح المعنوية في الجبهات.. فالجندي الذي يرى قياداته تتنقل بين الفنادق والمؤتمرات، وتتحول مأساته إلى وسيلة للتكسب وجمع الأموال يبدأ بالتساؤل: “لمن أحارب؟ ولمصلحة من أقدم دمي؟”.
هذا الشعور بالخذلان حوّل الحرب في نظر الكثير من المقاتلين والمواطنين من معركة مقدسة لاستعادة مؤسسات الدولة إلى مشروع استثماري طويل الأمد يستفيد من إطالة أمده ثلة من تجار الحروب الذين يخشون السلام لأن قطاره سيحرمهم من امتيازاتهم المالية والدبلوماسية.
وعلى الجانب الآخر، منحت هذه المنشورات والخطابات التلفزيونية الجوفاء والهروب القيادي الخصم سلاحًا دعائيًا مجانيًا.
فقد تمكنت الآلة الإعلامية للطرف الآخر من استغلال هذا الواقع بذكاء لتقدم نفسها للداخل اليمني بمظهر “شرعية الأرض” المرابطين في الجبال مقارنة بـ”مسؤولي الفنادق” الفارين، مما أسهم في تماسك جبهتهم وحشد المزيد من المقاتلين تحت لافتة مواجهة التبعية والفساد.
إن الوعيد بـ”مسح الطرف الآخر” أو “قرب الحسم العسكري” حين يصدر من غرف مكيفة في إسطنبول أو الرياض أو القاهرة، لا يثير في نفوس المقاتلين على الأرض والجمهور الساخر سوى الغثيان والاستهجان كونه خطابًا منفصلاً تمامًا عن واقع الجبهات المجمدة والمعادلات الميدانية المعقدة.
إن معركة استعادة الدولة لن تتحرك شبرًا واحدًا إلى الأمام ما لم تتطهر من هذه الانتهازية السياسية.
تحتاج معركة اليوم إلى قيادة ميدانية حقيقية تلتحم بالناس وتتخلى عن ترف المنافي وتقدم نموذجًا في التضحية والنزاهة والتقشف. أما الاستمرار في إطلاق الشعارات الحماسية عبر الشاشات وترك الجنود في العراء بلا حقوق أو غطاء طبي فهو ليس خذلانًا للمقاتلين فحسب، بل هو خيانة صريحة لكل قطرة دم سُفكت في سبيل هذا الوطن.
