لغز الغياب وحتمية التمسك بالثوابت:

يمر المشهد السياسي في الجنوب اليوم بمنعطف هو الأخطر في تاريخه الحديث، حيث يتداخل الغموض الشديد حول مصير القيادة العليا مع تحركات تنظيمية متسارعة تثير الكثير من التساؤلات.

جاء الإعلان الأخير عن تعيين أعضاء جدد لتوسيع هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي ليصل قوامها إلى 36 عضواً، ليسلط الضوء على أزمة عميقة يعيشها المجلس، ويفتح الباب واسعاً أمام قراءات متعددة توصف بأنها تأتي في الوقت الضائع.

 إلا أنه ورغم عاصفة الأسئلة الشائكة تبرز قراءة استراتيجية حصيفة ترى في هذه الخطوة ضرورة ملحة لحماية المشروع الجنوبي من التفتت والانقسام في هذا التوقيت الحرج.

يعد الغياب التام لرئيس المجلس “عيدروس الزبيدي” عن المشهد والامتناع عن الظهور المرئي المباشر أمام شعب الجنوب اللغز الأكبر الذي يهز أركان المجلس في الوقت الراهن.

 هذا الغياب الطويل فتح المجال لعدة سيناريوهات مقلقة؛ منها فرض إملاءات إقليمية لتمرير ترتيبات جديدة، أو وقوع الرجل تحت قيود الإقامة الجبرية في الخارج، وصولاً إلى الشائعات العنيفة التي يشيعها خصومه حول عارض صحي كبير أقعده عن الحركة.

وفي ظل هذا الفراغ القيادي تنقسم الآراء حول شرعية التعيينات الجديدة؛ حيث يراها منتقدون مجرد إجراءات بروتوكولية منفية فاقدة للمشروعية القانونية والشعبية، بينما يدافع عنها أنصار المجلس كاستمرارية تنظيمية ولوائحية ضرورية لحفظ التماسك ومنع الانهيار الميداني.

ورغم كل المآخذ والظروف المعقدة تبرز زاوية عقلانية ترى أن التمسك بالمجلس الانتقالي في هذه المرحلة القاسية يظل ضرورة وجودية لا غنى عنها لمسار القضية الجنوبية، باعتباره الوعاء التنظيمي الأكبر المعترف به إقليمياً ودولياً.

ومن هذا المنطلق يصبح التمسك برئاسة الزبيدي خطوة استراتيجية حاسمة لإغلاق الباب تماماً أمام أي صراعات كارثية على الزعامة، ومنع محاولات الانفراد بالقضية أو تمييع ثوابتها كونه المظلة القادرة على كبح طموحات التفتت ومنع انزلاق الجنوب نحو فوضى الفصائل الميدانية.

وفي سياق متصل بصيانة الشرعية تبرز أهمية الوعي السياسي تجاه ما يُشاع حول إعلانات حل المجلس الانتقالي في الرياض؛ إذ يؤكد المراقبون القانونيون أن أي إعلان يصدر من خارج القواعد الشعبية للجنوب ويدّعي حل المجلس هو خطوة باطلة وغير شرعية جملة وتفصيلاً.

إن مثل هذه الإعلانات المطبوخة في الغرف المغلقة لا تحترم تضحيات الشعب، والالتفاف حول الانتقالي اليوم هو الرد العملي الأقوى لإسقاطها ومواجهة التآمر الهادف لتصفية القضية.

لاشك ان المجلس الانتقالي يواجه حقيقة قاسية، لكن قيمته الحقيقية تُختبر في أوقات المحن والشدائد، وإن حماية المشروع الجنوبي تقتضي الحفاظ على الكيان ودعم رمزية قيادته، مع دحض أي إعلانات مشبوهة لضمان ألا يتحول غياب الشفرة القيادية إلى ذريعة لتفكيك المكتسبات الوطنية التي دفع الشعب ثمنها غالياً.