يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ محذرا دُعاةِ الحقِ من هدفِ أعدائِهم الثابتِ: “إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا”. ويقولُ مبينا عاقبةِ من حآدَّ اللهَ وحآدَّهم: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ”. يبين اللهُ بكلِّ جلاءٍ غايةَ المشركين والمنافقين وأعداءِ اللهِ جميعا.. ضد الداعين لتحكيمِ كتابِ اللهِ وسُنةِ نبيهﷺ، وشموليةِ الدينِ في كلِّ شؤونِ الحياةِ، من ديوانِ الحُكمِ ومرافقِ الدولةِ، إلى كل ما يتعلقُ بفلاحِ الناسِ عقيدةً وعبادةً ومعاملاتٍ وأخلاقا وعلاقاتٍ وتحاكما واقتصادا وغير ذلك.. وهي غايةٌ تهدفُ إلى ردعِ وصدِّ كل ما يطالبون به من حاكميةٍ للهِ ولدينِه. ومن أجلِ تحقيقِ هدفِهم السرمدي وضعوا أمام جماعاتِ العملِ الإسلامي خيارين.
الأول: أن يتوقفوا عن دعوتِهم تلك وإلا فإنَّ الرجمَ مصيرُهُم. والرجمُ المعاصرُ لم يعدْ بالحجارةِ، بل هو متعددُ الضررِ. رجمٌ بتشويهِ رسالتِهم وسمو أهدافِهم وفاعليةِ وسائلِهم، وبالسخريةِ من رموزِهم. ورجمٌ بالتضييقِ في كل مجالٍ عليهم، وتجفيفِ منابِعهم، ودكِّ محاضنِهم. ورجمٌ بزجهم في السجونِ والمعتقلاتِ بمحاكماتٍ شكليةٍ أو بدونها. ورجمٌ بالنفي خارجَ أوطانِهم. ورجمٌ بتلفيقِ التهمِ لهم ومطاردتِهم في كل موقعٍ وبلدٍ. ورجمٌ باستنساخِ وتأييدِ مَنْ يضادُ نهجَهم وفكرَهم ويبدعُ وسائلَهم.
والثاني: أن يتعقلوا ويؤثروا السلامةَ، فينضووا تحت لواءِ حكمِهم، راضين بما فيه من الظلمِ والفسادِ، صامتين عن كل خرقٍ يخالفُ الدينَ وعن كل تجاوزٍ ينتهكُ حقوقَ الإنسانِ ويدمرُ روحَ الإنسانيةِ، ومؤيدين لقرارات حكمهم وخطوات سياستهم مهما كانت خاطئةً.
ويبين المولى أنَّ الخيارَ الأولَ وعلى ما فيه من الباساءِ والضراءِ والزلزلةِ إلا إنَّ عاقبتَه فلاحٌ لهم وهلاكٌ محققٌ لمن طغى وبغى عليهم، ولن يكونَ ذلك إلا بصبرٍ منهم وثباتٍ وتمايزٍ ويقين. وأنَّ الخيارَ الثاني وعلى ما فيه من السلامةِ وطيبِ المقامِ، ومهما ظن مختاروه أنَّهم بذلك يحمون مصالحَ دعوتِهم، إلا إنَّ نهايتَه خسرانٌ مبين. خسرانٌ في الدنيا لمكانتِهم الساميةِ التي كانت محفوظةً في قلوبِ الناس كموقعين عن اللهِ وورثةِ الأنبياءِ. وخسرانُ الثقةِ التي رُسخت عند مواليهم وانصارِهم وعامةِ الناسِ. وخسرانٌ لمقامِهم الذي كانوا فيه، حين يقصيهم الطغاةُ عنه بعد أن قضوا منهم وطرَهم. وخسرانٌ أكبرُ في الآخرةِ حين وهنوا عن السيرِ في دربِ الإحسانِ وتثاقلوا عن النفيرِ في سبيلِ الإيمانِ.. والتحقوا بركبِ أعداءِ الدينِ ومكارمِ الأخلاقِ. وقد حذرهم اللهُ من ذلك في آياتٍ بيناتٍ لا تقبلُ التأويلَ والتعليلَ ولا الموازناتِ والتنازلاتِ.
في وطني هل اختارت الجماعاتُ الإسلاميةُ الدعويةُ والحركيةُ والسلفيةُ الخيارَ الثاني؟. فغرقت في سرابِ السياسةِ وهي تحسبه قاربَ نجاةٍ، ووقعت في شباكِ الساسةِ وهي تظنه طوقَ حياةٍ. قراءةُ الواقعِ تقولُ (نعم). وما زال في الوقتِ متسعٌ لمراجعةِ نعمةِ الاصطفاءِ ونعيمِ الاصطفافِ.
أبو الحسنين محسن معيض
