في بنايةٍ فخمةٍ سكنوا جميعا، زوجُ الأُمِ الثريُ، والأمُ وابناؤها الستةُ. البنايةُ سَبعُ شُقَقٍ تقاسمها الزوجان والأبناءُ مع أُسَرِهِم. وفي ليلة ضبابيةٍ جلسَ أبناءُ الأمِ ينظرون حالَهُم.. فهُمْ لا يملكون من أمرِهِمْ شيئا!. دخولُهم وخروجُهم، حلُّهم وترحالُهم بأذنِ عمِّهم. مَنْ يستضيفون بإذنه. إدارةُ مهامِ أعمَالِهم بإذنه. مع مَن يتعاملون بإذنِهِ. وغيرُ ذلك من إشرافٍ وتدبيرٍ، وعزلٍ وتوظيفٍ، وعقابٍ وثوابٍ بأمرِهِ.
أرادوا حلولا جذريةً تضمن لهم سيادةَ قرارِهِم واستقلاليةَ رأيِهِم، ورَسْمَ غَدِهم. خاصةً وهي قد اشتدت مطالبُ أهلِ بيتِهم عليهم ليحققوا لهم شيئا من الذاتيةِ في تخطيطِ وإدارةِ شؤونِهم، وتوفيرِ متطلباتِ خدماتِهم، دونَ انتظارِ موافقةِ وليِّ أمرِهم، ودونَ حاجةٍ لهباتِ المُنعِمِ عليهم. فاتفقوا أن يفاتحوا عمَّهم بذلك غدا.
وتمَّ اللقاءُ، فأطنبوا في عرضِ ما دارَ بينهم مِنْ قبل. تنهدَ زوجُ أُمِّهِم، ووضع رِجلا فوقَ رِجْلٍ، وقال “مادمتم تعيشون تحت سقفي، وكلُّ ما أنتم فيه ثمنُه مدفوعٌ من خزائني، كهرباءُ شققِكُم مني، غازُ طبيخِكُم ووَقُودُ سياراتكم مني، علاجُكم ولباسُكم مني.. كلُّ ذلك وأكثرُ مني. هل تنكرون؟. قالوا (لا) لكن!. قاطعهم بحدةٍ “مادامَ والأمرُ كذلك فليس لكم من أمرِكُم قرارٌ ولا سيادةٌ ولا سلطةٌ ولا إدارةٌ.. تسيرون حيثُ أمرتُ، وتجلسون حيثُ أشرتُ. ومتى ما تملكتم مساكنَكُم، وأدرتم حياتَكم من حُرِّ مالِكم، وتركتم التنازعَ بينكم فيما منحتُكم من رواتبَ ورُتبٍ، وفيما وليتكم من مراتبَ في منظومتي التي أسستُها لكم.. فعندها لكم حريةُ فعلِ ما تشاؤون وما تشتهون. وأما وأنتم غيرُ ذلك! فأنتم جميعا تحت سلطتي وسيادتي”. وانصَرَفَ. فتبعوه مُسْرِبين، وحالُ كلِّ واحدٍ منهم يقول “ولماذا نَكُدُ وكلُّ شيء يأتينا دون كَلَلٍ، وكلُّ مطالبِنا تُجابُ دونَ خَلَلٍ. فلتنتظرِ الحريةُ والسيادةُ قليلا، ولْيَصبرْ أهلُنا على ما يُطَالِبوننا به من هويةٍ وطنيةٍ، وقوةٍ سياسيةٍ، وإدارةٍ ذاتيةٍ، وخدمةٍ أهليةٍ”.
وعندَ البابِ تلقتْهُم أُمُّهم قائلةً “ما دمتم لستم أهلَ قُدْرَةٍ واقتِدارٍ وجَدٍ، فلِمَ تَطْلُبُون ما لستم له بأهْلٍ بعدُ؟. هذا نتاجُ عقولِكُم وجَنَى أيدِيكُم. لقد ولدتُّكم تواليا في 67، و69، و72، و78، و86، و90. أرضعتُكم وربيتُكم لتكونوا رجالا، فأبَيتُم إلا النَطَالةَ وقِلَةَ الرَجَالَةِ، فأاااهٍ منكم أاااهٍ”. فأقبَلُوا في صَرَّةٍ يتلاوَمُون. وعلا صوتُ وليُّهُمْ “تأَدَّبُوا”. فخنَسُوا. وعلى طاولةٍ أمامَهم وَضَعَ ستةَ مظارِيفَ “هذا مصروفُكُم خُذُوه”. فسَارَعُوا وهم ناكِسُو رؤوسِهم، يَدُسُون في جيُوبِهِمُ المَعْلُومَ.. وهُمْ في أَعْيُنِ أهلِهِمْ مُلِيمُون.
أبو الحسنين محسن معيض
