تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الجنوب العربي ظاهرة متصاعدة، حيث ينشر ناشطون ومواطنون صوراً قديمة لمدينة عدن إبان فترة الوجود البريطاني. تظهر الصور شوارع منظمة، وأسواقاً نظيفة، ومؤسسات تدار بكفاءة وصرامة قانونية.
هذا المشهد يثير سؤالاً وجودياً مريراً: هل يتحسر الإنسان حقاً على حقبة مستعمر مكث في أرضه 129 عام؟ الإجابة القاطعة هي “لا”.
فالجنوبيون لا يحنون إلى التبعية، بل يحنون إلى “الدولة والنظام والقانون” الذي افتقدوه في ظل نخب متعاقبة فشلت في الحفاظ على مدنية هذه الأرض وازدهارها.
فقد الأمل: من حلم الاستقلال إلى قهر “الثورجية”:
بدأت حكاية الجنوب بحلم وطني نبيل؛ شعب قدم خيرة شبابه في ثورته لطرد المستعمر البريطاني متطلعاً لغدٍ تسوده الحرية والكرامة والرخاء.
لكن الصدمة التاريخية توالت عبر العقود، وحين قفزت على أكتاف هذه التضحيات نخب انتهازية و”ثورجية”، لم يلتفتوا لبناء دولة مؤسسات حقيقية، بل انشغلوا بالصراعات الضيقة وتجريف الهوية المدنية وصولاً إلى إهداء الجنوب لصنعاء على طبق من ذهب ،مما تسبب في حروب دمرت ما تبقى من ملامح النظام والقانون.
يشعر المواطن في عدن اليوم بـ “القهر المضاعف”. قهرٌ لأن تضحيات الأجداد دُنست، وقهرٌ لأن “ابن جلدته” الذي يرفع الشعارات الوطنية يعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة، فيقطع الكهرباء والماء، ويدمر المؤسسات، ويترك المدينة غارقة في الفوضى والأزمات الخدمية المستمرة.
عدن: من منارة عالمية إلى صراع الخدمات:
يتجلى التوق لنظام بريطانيا وقانونها في عدن كأعلى درجات المقاومة المدنية نكاية بالواقع الحاضر.. طوال عقود نجحت الإدارة آنذاك في جعل عدن حاضرة عالمية وميناءً ريادياً ينافس أهم موانئ العالم، ومنارة ثقافية وتجارية تحتكم للنظام البديع.
عندما ينشر الناشط الجنوبي اليوم صور شوارع كريتر والمعلا المنظمة والنظيفة، هو لا يرفع صك غفران للمحتل، بل يستخدم التاريخ كسلاح مبطن يجلد به النخب الفاشلة والانتهازية.
المقارنة هنا مؤلمة؛ فكيف لمدينة كانت تنافس كبريات عواصم العالم قبل نصف قرن أن تصبح اليوم عاجزة عن تأمين ساعات استقرار معدودة للتيار الكهربائي أو ضخ المياه الصالحة للشرب لمواطنيها؟
صرخة احتجاج لا رغبة في التبعية:
إن اتهام الناشطين بالعمالة لمجرد استحضارهم لمدنية عدن الماضية هو تسطيح مخل وقراءة قاصرة للأزمة.. الحقيقة التي يجب أن تعيها النخب الحالية هي أن الولاء يترسخ بالكرامة، والمواطن يبحث فطرياً عن الأمان والخدمات.
وعندما تفشل الإدارات المحلية في توفير البديل الأفضل فإنها تجبر المواطن على مقارنة إدارة أجنبية تاريخية كانت توفر النظام، بإدارات محلية حالية فاشلة وفاسدة لا تنتج سوى الفوضى.
فصل الخطاب:
إن حنين أبناء الجنوب العربي لعدن القديمة ليس ندماً على رحيل المستعمر البريطاني، بل هو إدانة صارخة وعلنية لكل النخب والقيادات الانتهازية التي تسلمت بلاداً كأنها قطعة من الذهب، فجعلتها ركاماً من الأزمات.
إنها رسالة واضحة فحواها: “لقد كافح أجدادنا لطرد المحتل رغبةً في بناء دولة حرة عادلة لا لنقع ضحايا لمستعمر محلي يرتدي ثوب الثورة ويسرق منا الحاضر والمستقبل”.
