“صورة شيخ مسن يلخص مأساة إنسان أرهقه الجوع والقهر”

*- شبوة برس – خاص

تلقى “شبوة برس” نسخة من موضوع للكاتب ياسر محمد الأعسم، تناول فيه صورة لرجل مسن أنهكه العمر والفقر، في مشهد إنساني بالغ القسوة، رأى الكاتب أنه يختصر حجم البؤس الذي وصل إليه الإنسان في ظل سلطة الأمر الواقع والاحتلال اليمني، حيث أصبح البحث عن لقمة العيش معركة يومية، وأصبحت الكرامة الإنسانية حلمًا مؤجلًا.

الصورة، بحسب ما يصفها الكاتب، ليست مجرد لقطة عابرة لرجل أنهكه التعب، وإنما مشهد يختزل حكاية ملايين البسطاء الذين وجدوا أنفسهم عالقين في دائرة الفقر والحاجة والعجز، دون أن يجدوا من يلتفت إلى وجعهم أو يسأل عن مصيرهم.

رجل مسن، أنهكه العمر وأثقل كاهله الفقر، يجلس في صمت وكأنه يحمل على كتفيه سنوات طويلة من التعب والانتظار. لا يبدو في الصورة غاضبًا ولا محتجًا، بل يبدو كإنسان استنفد ما تبقى لديه من قدرة على الشكوى، ولم يعد يملك سوى أن يجلس أمام قسوة الحياة ويستجمع أنفاسه.

ويرى الأعسم أن المشهد يطرح سؤالًا موجعًا لا يحتاج إلى إجابة سياسية بقدر ما يحتاج إلى ضمير حي: ما ذنب هذا الرجل؟ وما ذنب ملايين أمثاله الذين لم يختاروا الفقر، ولم يختاروا الجوع، ولم يختاروا أن يقضوا ما تبقى من أعمارهم في مواجهة الحاجة؟

ويقول الكاتب إن هذه الصورة تختصر مأساة مجتمع أصبح الإنسان فيه الحلقة الأضعف، بينما انشغلت السلطة بصراعاتها ومصالحها، وتحوّلت حياة المواطنين البسطاء إلى فاتورة مفتوحة يدفعونها من أعمارهم وصحتهم وكرامتهم.

ففي الوقت الذي تتغير فيه حياة كثير من المسؤولين وأصحاب النفوذ، يجد المواطن البسيط نفسه عاجزًا عن توفير أبسط احتياجات الحياة. موظف ينتظر راتبه، وأسرة تبحث عن الغذاء، ومريض يعجز عن شراء دوائه، ومسن أنهكه العمر ولا يجد من يسنده.

إن أخطر ما في الفقر ليس الجوع وحده، وإنما ذلك الشعور القاسي بأن الإنسان أصبح منسيًا، وأن ألمه لا يعني شيئًا لمن يفترض أنهم يتحملون مسؤولية إدارة البلاد وحماية كرامة مواطنيها.

الصورة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات. يكفي أن ينظر إليها الإنسان بصدق ليدرك حجم المأساة. رجل طاعن في السن يجلس منهكًا، وكأن سنوات عمره كلها تحولت إلى سؤال واحد: لماذا وصلنا إلى هنا؟

ويرى الأعسم أن الحرية لا تكتمل بمجرد غياب القضبان، فالإنسان الذي تحاصره الحاجة والجوع والخوف والعجز قد يعيش في وطن بلا أسوار، لكنه يشعر أنه سجين ظروفه، وأن الفقر أصبح القيد الذي لا يستطيع كسره.

ومن هنا تتحول صورة الرجل المسن إلى مرآة لمجتمع كامل، يعاني فيه ملايين البشر من آثار الحرب والانهيار الاقتصادي وغياب الخدمات وتراجع قيمة الإنسان أمام حسابات السلطة والنفوذ.

إنها صورة صامتة، لكنها تصرخ أكثر من الخطب والشعارات، وتضع أمام الرئاسة والحكومة والسلطات القائمة سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: ماذا فعلتم بالإنسان الذي يفترض أن تكون السلطة في خدمته؟

فالدولة التي تعجز عن حماية كرامة مسن أنهكه العمر، وعن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها، تحتاج إلى مراجعة نفسها قبل أن تطلب من الناس المزيد من الصبر.

وفي بلد أنهكته الحرب والانقسام والصراع على السلطة، يبقى الإنسان هو الخاسر الأكبر، فيما تستمر دوائر النفوذ في إدارة صراعاتها بعيدًا عن وجع الشارع.

ولعل أقسى ما تقوله هذه الصورة أنها لا تصور رجلًا واحدًا، بل تصور وطنًا أنهك أبناءه، وأجيالًا دفعت ثمن صراعات لم تكن طرفًا فيها، وبسطاء لم يطلبوا سوى حياة تحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة.

هذه ليست صورة رجل مسن وحسب، إنها صورة مأساة إنسانية كاملة، وصوت صامت لملايين الجائعين والمقهورين الذين لم يعد لديهم ما يقولونه سوى الصمت.