“عندما فتحت “خطيئة أغسطس” أبواب الجحيم الطائفي واستباحت العقول واحتلت العراق ونهبت ثرواته:”
غداً تحلّ علينا ذكرى الثاني من أغسطس اليوم الذي لم تتغير فيه خطوط الخرائط فحسب، بل استيقظت فيه الأمة العربية عام 1990 على وقع جنازير الدبابات وهي تطأ أرض الكويت في طعنة غادرة لم تمزق جسد الجار الشقيق فحسب، بل هدمت جدار الأمن القومي العربي من أساسه.
كان ذلك اليوم خطيئة استراتيجية كبرى، وزلزالاً سياسياً فتح “صندوق بندورا” للتدخلات الأجنبية والأحقاد المذهبية، لتتدحرج أحجار الدومينو تباعاً، وتدفع المنطقة بأسرها ثمن خطأ تاريخي قاد إلى تدمير البوابة الشرقية للأمة.
لم يكن احتلال الكويت حدثاً عابراً، بل أنهى مفهوم “التضامن العربي”.. تشرذمت المواقف، وانهارت الثقة بين الأشقاء، مما شرعن الوجود العسكري الأجنبي المكثف في الخليج بعد أن باتت العواصم تبحث عن مظلات أمنية دولية، لينتقل القرار الإقليمي إلى يد القوى الكبرى ويدخل نفق التدويل المظلم.
العراق أول من تجرع سموم هذه الخطيئة؛ إذ قادته المغامرة إلى حصار اقتصادي خانق في التسعينيات نهش مجتمعه، ممهداً للغزو الأمريكي عام 2003.. ومع سقوط بغداد، فككت سلطة الاحتلال بقيادة “بول بريمر” مؤسسات الدولة وحلت الجيش العراقي.
وتزامن ذلك مع مجزرة ممنهجة استهدفت العقل العراقي باغتيال مئات العلماء والأكاديميين، ونهب منظم لثروات البلاد النفطية وتدمير آثارها التاريخية لطمس هويتها.
وعلى ركام الدولة أقام الاحتلال نظاماً مشوهاً يقوم على “المحاصصة الطائفية”، مستبدلاً المواطنة بالهوية المذهبية.. أتاح هذا المناخ لغلاة الشيعة الإثني عشرية الراديكاليين المدعومين من طهران صعود سدة الحكم والتغلغل في مفاصل الأمن.
وتحول العراق من حصن قومي يصد التمدد الإيراني إلى ساحة نفوذ مفتوحة للمشروع الصفوي وميليشياته.
جرى إشعال الفتنة الطائفية بشكل مدروس، وبلغت ذروتها بعد تفجير مرقدي سامراء عام 2006، لتنطلق حرب أهلية دموية جرى فيها شحن الأجواء، وتشجيع الميليشيات الشيعية المخترقة على قتل وإبادة إخوانهم من المكون السني على الهوية، وتهجيرهم في أبشع عمليات التغيير الديمغرافي.
إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم من تغول للميليشيات وضياع لعواصم عربية في الفلك الإيراني ليس سوى ارتدادات لزلزال الثاني من أغسطس.
لقد دفع العرب أنهاراً من الدم والدموع ثمن غياب الحكمة، وتظل هذه الذكرى التي تطل علينا غداً ناقوس خطر يذكر بأن العبث بأمن الأشقاء واستباحة حدودهم لا يجلب إلا الخراب المشترك.
