ينحدر الدكتور حسن بازرعة من عائلة حضرمية عاشت في عدن منذ مئات السنين، وأسهمت في نشأة التعليم النظامي الحديث مطلع القرن العشرين.

تلقى تعليمه الابتدائي في التواهي، ثم انتقل إلى الدراسة المتوسطة في مدرسة البادري بمدينة كريتر.

التحق الدكتور بازرعة بالدراسة في دولة الكويت عام 1958م عبر منحة مقدمة من حزب الرابطة، ثم أكمل دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في فرنسا.

شغل منصب عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء في مطلع الألفية الأخيرة.

هاجر الدكتور حسن بازرعة إلى الجمهورية العربية اليمنية قسرًا في أوائل سبعينيات القرن العشرين، إثر ملاحقات تعرض لها من قبل النظام السياسي الحاكم في عدن آنذاك بعد الاستقلال عام 1967م.

وعن أسباب خروجه من عدن إلى صنعاء، يقول البروفيسور حسن بازرعة، ضاحكًا، إنه تعرض للملاحقة هو وأهله وأبناء عمه من آل بازرعة بحجة أنهم ينتمون إلى الطبقة البرجوازية، بسبب امتلاك أحد أفراد العائلة وكالة لتوريد سيارات تويوتا اليابانية باسم “وكالة بازرعة للسيارات”. وأوضح أن تلك التهمة كانت باطلة، ولا علاقة له أو لأسرته بالتجارة إطلاقًا، وأن كل ما في الأمر أن أحد أبناء عمه كان يمتلك ترخيصًا لفرع وكالة تجارية خاصة باستيراد السيارات، إلا أن النظام آنذاك اعتبر أن كل من ينتمي إلى آل بازرعة يعد من الطبقة البرجوازية، ولهذا غادروا عدن هربًا إلى اليمن.

وعن عمله في اليمن، يقول الدكتور حسن إنه التحق بالعمل في جامعة صنعاء، وعاش هناك أكثر من خمسين عامًا، وكان من أكثر الناس قربًا إليه واحترامًا الدكتور عبدالواحد الزنداني، أستاذ القانون في الجامعة، إلى جانب آخرين مدوا له يد التعاون، ووقفوا إلى جانبه في مختلف الظروف والمنعطفات.

وعن أغرب المواقف التي لا تنساها ذاكرته، يقول البروفيسور بازرعة إنه كان يعيش في صنعاء أثناء تولي محمد خميس رئاسة جهاز الأمن الوطني، وذات صباح خرج متوجهًا إلى الجامعة، فشاهد رجلًا يحطم زجاج السيارات المخالفة للوقوف في الشارع بمطرقة حديدية صغيرة. فاستنكر المشهد واحتج عليه غاضبًا قائلًا: “ما لك يا هذا؟ لماذا تحطم زجاج سيارات الناس بهذه السهولة؟”، دون أن يعلم أن ذلك الشخص هو محمد خميس، رئيس جهاز الأمن الوطني المعروف بقسوته. فنظر إليه الأخير بغضب دون أن يتحدث، وإذا بشخص يقف بجوار الدكتور بازرعة يمسك بذراعه ويبتعد به قليلًا، ثم أخبره بأن ذلك الرجل هو الوزير محمد خميس.

وعن انتمائه السياسي لأول مرة، يقول الدكتور حسن بازرعة، رحمه الله، إنه التحق بحزب الرابطة في خمسينيات القرن الماضي على يد أحد معلميه، الأستاذ عبدالعزيز نصر، الذي كان مدرسًا في التواهي، وكان يرشده إلى حضور الفعاليات والأنشطة التي تقام في مقر الرابطة بكريتر. وبعد ذلك توالت مشاركاته في الفعاليات التي أقامتها الرابطة في كريتر ودار سعد، ومنها حملة التبرعات التي قادها الزعيم محمد علي الجفري لدعم الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الأجنبي.

وأثناء دراسته في القاهرة، يقول المرحوم بازرعة إنه تعرف على كثير من القيادات الجنوبية، وبخاصة القيادات الرابطية التي كانت تقود العمل الوطني والنضالي، وتتصدر مشهد تمثيل الجنوب العربي في اللقاءات والحوارات العربية والدولية والأممية.

وبالعودة إلى ذكرياته في جامعة صنعاء، يقول الدكتور بازرعة إن صديقه الدكتور عبدالواحد الزنداني دعاه ذات مرة لحضور لقاء مع الرئيس علي عبدالله صالح خلال النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي. ويضيف: وافقت، ودخلت اللقاء برفقة عدد من الزملاء، وقلت للرئيس: “سيادة الرئيس، نحن من الجنوب نعمل مدرسين في الجامعة، ولكن لدينا مشكلة تتمثل في تدني رواتبنا الشهرية مقارنة بزملائنا من اليمن، وكذلك بزملائنا العرب من المصريين والسودانيين، فراتبهم أعلى من رواتبنا. لقد أصبحنا نحن الجنوبيين لا نعامل معاملة اليمنيين، ولا حتى معاملة إخواننا العرب العاملين في اليمن”. فوعدنا الرئيس بإيجاد حلول، لكنه لم يفِ بها إلا بعد تحقيق الوحدة عام 1990م.

وعن تواصلي معه بعد خروجه من صنعاء أثناء أحداث عام 2011م وإقامته في ماليزيا، وسؤالي له: “لماذا يا دكتور ما زلت متمسكًا بهوية الجنوب العربي رغم أن معظم حياتك قضيتها في صنعاء بعد خروجك القسري من عدن في السبعينيات؟”، أجاب بصوت هادئ ومختصر: “الوطن يظل وطنًا وإن قسا أصحابه عليك”.

وأضاف: “عشت في صنعاء ثلاثين عامًا حتى قيام الوحدة عام 1990م، وكنت محاضرًا جامعيًا، لكنني كنت أحمل بطاقة هوية مكتوبًا فيها (ج.م)، أي: جنوبي مقيم”.

وسرد الدكتور بازرعة حديثًا طويلًا عن حياته في صنعاء، ومدى حبه لكثير من زملائه الذين عاش معهم تجربة العمل والحياة، وكان من أبرزهم الدكتور عبدالواحد الزنداني، الذي كان يثني عليه في كثير من رسائله الصوتية.

رحل بازرعة، رحمه الله، وهو يحثني على التمسك بالطريق الذي أسير عليه سلوكًا ومنهجًا، مؤكدًا أن طريق الخلاص من الظلم وعودة الحق إلى أصحابه قادم مهما طال الزمن.

وكان كلما وقع حدث أو مستجد على طريق النضال والحرية داخل الوطن، تصلني منه رسالة صوتية يحدثني فيها بروح الأب المحب لولده، وبمشاعر صادقة من الحرص والاهتمام بأخبار بلاده. كنت أشعر حينها بمدى تغلغل حب الوطن في وجدان هذا الرجل وعقله، وأتأمل عظمة أمثاله من الرجال الذين قلما يجود الزمان بنظرائهم وفاءً وإخلاصًا وثباتًا على الموقف.

انقطع تواصلي مع المرحوم بازرعة منذ نحو عامين بعد تدهور حالته الصحية وعدم قدرته على الكتابة، وأصبح أغلب تواصلنا عبر الرسائل الصوتية، وكانت آخرها بصوت منهك، يكشف أثر المرض وتقدم العمر.

رحم الله البروفيسور في القانون الدولي الأستاذ الدكتور حسن عبدالقادر بازرعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

علي محمد السليماني

كاتب وباحث تاريخي