استضافت العاصمة السعودية الرياض اجتماعاً عسكرياً موسعاً ضم رؤساء أركان وممثلين من 43 دولة لبحث الخطوات التأسيسية لإطلاق “تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات” تقوده المملكة لتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

يأتي هذا الحراك ليعكس حجم المأمول من هذه المنظومة الإقليمية الجديدة، لكنه يفتح في الوقت ذاته باب التساؤلات المشروعة حول مدى قدرته الفعلية على كبح جماح مليشيات الحوثي، وعن طبيعة الحسابات السياسية التي جعلت الرياض تفوت أوراق قوة محلية حاسمة على الأرض.

المأمول من التحالف وقدرته على الردع:

الهدف الاستراتيجي من هذا الحلف هو “تدويل كلفة حماية الممرات المائية” وسحب ذريعة التدخل الغربي الأحادي عبر خلق مظلة شرعية تضم الدول المشاطئة وقوى إقليمية كبرى مثل مصر وتركيا وباكستان.

 ومع ذلك فإن القدرة الفعلية للحلف على تأمين الملاحة بشكل كامل تبدو محفوفة بالتحديات؛ فالمليشيات الحوثية تعتمد على استراتيجية “الحرب غير المتماثلة” باستخدام مسيّرات انتحارية منخفضة التكلفة وزوارق مفخخة وصواريخ باليستية مضادة للسفن.

 هذه الأدوات تجعل من الصعب على أي أسطول بحري مهما بلغت قوته تحقيق أمن مطلق للممرات المائية دون الانتقال من مرحلة “الدفاع الانتظاري” في البحر إلى مرحلة “الردع الهجومي وتجفيف المنابع” على السواحل والبر اليمني.

فرصة “القوات الجنوبية” المنسية في حسابات الرياض:

في المقابل يرى الكثير من المحللين العسكريين أن المملكة فوتت فرصة استراتيجية سانحة لبناء تحالف وثيق ومستدام مع “القوات الجنوبية” (المجلس الانتقالي وقوات العمالقة الجنوبية).

 هذه القوات أثبتت تاريخياً امتلاكها لعقيدة قتالية صلبة ومباشرة ضد المشروع الحوثي، وحققت الانتصارات الأكثر حسمًا على الأرض في عدن والساحل الغربي وشبوة.

تتواجد القوات الجنوبية جغرافياً على طول الشريط الساحلي المشاطئ لمضيق باب المندب وخليج عدن، وكان بإمكانها —لو منحت الدعم اللوجستي والتسليح البحري الكافي من المملكة— أن تشكل خط دفاع بري وبحري أول يغلق منافذ التهريب ويشل حركة الزوارق الحوثية في مهدها، مما يوفر على الرياض عناء بناء تحالفات دولية معقدة ومكلفة ماديًا وسياسيًا.

لماذا تراجعت الرياض عن هذا الخيار؟:

تنطلق الحسابات الرسمية للرياض من محددات جيوسياسية مختلفة؛ فهي ترى أن أولوية بناء التحالف تلزمها بالحفاظ على مايسمى “وحدة اليمن والشرعية الدولية” في مواجهة المجتمع الدولي الذي لازال يعترف ب “شرعية مجلس رشاد العليمي”،وتخشى أن يؤدي الدعم المطلق والمنفرد للمشروع الجنوبي إلى تثبيت استعادة الدولة الجنوبية رسمياً، مما قد يفجر صراعات بينية جديدة على حدودها الجنوبية.

بالإضافة إلى ذلك ترى الرياض أن التهديد الحوثي للملاحة عبر الصواريخ بعيدة المدى، بات قضية دولية تتطلب تكنولوجيا دفاع جوي وبحري متطورة لا تمتلكها الفصائل المحلية.

الخلاصة:

 يبقى نجاح تحالف الرياض الجديد رهناً بمدى قدرته على صياغة “قواعد اشتباك” صارمة واستباقية.. وإذا ما أرادت المملكة تحقيق استقرار دائم في باب المندب، فإن المزاوجة بين المظلة الدبلوماسية الدولية لهذا التحالف، وبين التنسيق والتمكين الحقيقي للقوات الفاعلة على الأرض مثل القوات الجنوبية، سيمثل المعادلة الأضمن لحماية الأمن القومي العربي وإمدادات الطاقة العالمية.