يحاول البعض، عن قصد أو غير قصد، رسم صورة قاتمة لمحافظات الجنوب المحرّرة، وكأنها فضاءٌ خارج ظلّ القانون، تحكمه غريزة الغاب وقسوة الفوضى.
يُضخّمون حوادث وانتهاكات فردية وجرائم معزولة، تحدث هنا أو هناك، في أي مجتمع بشري، ثم يُعمّمونها ويُوظّفونها سياسياً، كي تُصبح عنواناً لـ”حالة جنوبية” لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
والحقيقة الأبلغ من كل ادّعاء، أن الجريمة ظاهرة إنسانية قديمة، لا تخلو منها أمة، ولا تتحصّن منها مدينة.
فليس ثمّة بقعة على وجه الأرض محصنة ضدّ التجاوز، كما ليس ثمّة مجتمع مبرّأ من الخطيئة. لكنّ الفارق الجوهري، أن تكون ناقداً منصفاً، أو أن تكون مُشوّهاً متعمّداً.
فالاختلاف مع المجلس الانتقالي مشروع، والنقد البنّاء ضرورة لكل عمل سياسي ووطني، ولكن تحميل المجلس مسؤولية كل شاردة وواردة، وتصوير الجنوب كبيئة طاردة غير صالحة للحياة، وأن البطش والتنكيل هما عنوان المرحلة، هذا ما لا يقبله عقل، ولا يستصيغه منطق.
للإنصاف معايير بسيطة تكشف زيف الادّعاءات: لو كانت الصورة السوداوية التي يروّجها البعض صحيحة، فأين هم النازحون الجنوبيون الذين يُفترض أنهم فروا إلى مأرب أو تعز هرباً من “بطش الانتقالي”؟ لكن الواقع الملموس يقول غير ذلك، فحركة النزوح تسير عكس ما يدّعون؛ آلاف الأسر تأتي من الشمال إلى الجنوب، الى عدن إلى حضرموت، والى بقية محافظات الجنوب ، هرباً من جبروت الحوثي وبطشه، لتجد في الجنوب متنفّساً من الأمان النسبي، ومساحة للعيش والكرامة والتعايش. والناس بفطرتها لا تهاجر إلى الخوف، بل تُقبل على حيث تشعر بالأمان.
لا ندّعي المثالية، فالجنوب يعاني تحديات أمنية وخدمية حقيقية، تحتاج إلى عمل ومحاسبة ومعالجة، لكن الإنصاف يقتضي أن نقيم الوضع بحجمه الطبيعي: جنوب ينهض وسط حرب، يُرمّم مؤسساته بصبر، ويستقبل المتضررين من كل مكان، ويصنع مستقبله رغم الرماد.
فلنختلف كما نشاء، ولكن بموضوعية، ولننتقد كما نشاء، ولكن بإنصاف. فالجنوب يستحق أن يُرى بعين الحقيقة، لا بعين الدعاية، والوطن لا يُبنى إلا بالنقد الصادق، لا بالتشويه المتعمّد.
