لماذا يستعصي الحسم العسكري في اليمن؟

تشهد الساحة جولة تصعيد خطيرة إثر الضربات الجوية المتبادلة بين التحالف بقيادة السعودية وجماعة الحوثيين. هذا المنعطف لا يمثل مجرد مواجهة محلية، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا يربط الأزمة اليمنية مباشرة بمسار الصراع الإقليمي الشامل وأمن الطاقة العالمي.

في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن قراءة مآلات هذه المواجهة وحدود الردع عبر ثلاثة محاور:

1. مآلات المواجهة (سيناريوهات الميدان)

* عولمة الصراع البحري: انتقل ثقل المعركة إلى الممرات المائية الحيوية، حيث يسعى الحوثيون إلى فرض حصار بحري واستهداف خطوط الملاحة في البحر الأحمر.

* الاستنزاف النوعي: تركز ضربات التحالف الجوية على تدمير منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الطائرات المسيّرة في الحديدة وجزيرة كمران، بهدف تقويض القدرة الهجومية للجماعة.

* الكلفة الاقتصادية: أدى استمرار تهديد الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ومضاعفة كلفة التأمين والشحن البحري، ما يفرض ضغوطًا دولية متزايدة باتجاه التهدئة.

2. حدود الحسم العسكري وعوائق “الشرعية”

وفقًا لهذه القراءة الواقعية، فإن تحقيق هزيمة عسكرية ساحقة للحوثيين في هذه الجولة يظل أمرًا مستبعدًا، نتيجة عوائق هيكلية ونفسية عميقة، أبرزها:

* طبيعة الحرب غير النظامية: ترسانة الحوثيين من الأسلحة الرخيصة وسهلة الإخفاء، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ، تجعل القوة الجوية والدفاعات التقليدية وسيلة للردع والاحتواء أكثر من كونها أداة لاجتثاث القدرات العسكرية.

* غياب عقيدة الحسم لدى “الشرعية”: تعاني الجبهة المناهضة للحوثيين من شروخ داخلية، إذ تحول الصراع لدى قطاع من القيادات اليمنية إلى “اقتصاد حرب” يدر امتيازات يخشون فقدانها. كما يبرز عائق اجتماعي يتمثل في رفض كلفة الحرب داخل صنعاء بحجة حمايتها، فضلًا عن أن القوات الجنوبية ترى أن معركة تحرير الشمال لا تعنيها بعد تغير التفاهمات السياسية.

3. الرؤية الإقليمية (خلف الستار)

* ورقة الضغط الإيرانية: نجحت طهران في استخدام الحوثيين كأداة للدفاع المتقدم، وفرض معادلة مفادها: “إذا حُوصر النفط الإيراني، فلن تنعم ممرات الطاقة الدولية بالأمان”.

* المناورة الدبلوماسية: تمارس طهران سياسة توزيع الأدوار؛ فبينما تدعو خارجيتها إلى الحل السياسي، تُبقي على الهجمات الحوثية كورقة تفاوضية رابحة في مواجهة الغرب.

خلاصة الكلام

المآل المرجح لهذه الجولة ليس تحقيق هزيمة ساحقة لأي طرف، بل الوصول إلى حالة من “الإنهاك المتبادل” تُجبر جميع الأطراف على العودة إلى طاولة التفاوض، ولكن وفق شروط جديدة فرضتها معادلات الصراع في البحر الأحمر.