*- شبوة برس – خاص

أثار الأكاديمي والمفكر الإسلامي الموريتاني الدكتور محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الأخلاقيات السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمد بن خليفة في قطر، في تغريدة رصدها محرر “شبوة برس”، موجة واسعة من الجدل بعد رده العلمي الحاد على ما وصفه بتطاول الإخونجي اليمني شوقي القاضي على الإمام الحسين بن علي عليه السلام، سبط رسول الله ﷺ، ومحاولته إعادة تفسير واقعة كربلاء بما يحمّل الإمام الحسين مسؤولية سياسية وأخلاقية عن مقتله ومآلات تلك المرحلة التاريخية.

ويأتي هذا الرد في سياق مواجهة فكرية تتجاوز الحدث التاريخي إلى معركة حول الذاكرة الإسلامية ومكانة آل بيت النبي ﷺ، حيث اعتبر الشنقيطي أن الخطاب الذي يقدمه القاضي يندرج ضمن ما سماه “قراءات ناصبية جديدة” تحاول إعادة إنتاج تبريرات سياسية قديمة تحت غطاء ديني، عبر تحميل الإمام الحسين مسؤولية الصراع مع السلطة الأموية في عهد يزيد بن معاوية.

ويؤكد الشنقيطي، في تفصيله، أن الإمام الحسين بن علي عليه السلام ليس مجرد شخصية تاريخية عابرة في سياق الصراع السياسي، بل هو رمز ديني وأخلاقي يمثل امتدادًا مباشرًا لبيت النبوة، وأن أي محاولة للنيل من مكانته أو تصويره كفاعل سياسي متهور أو “مهووس بالسلطة” تمثل انحرافًا خطيرًا عن إجماع الأمة على فضله ومقامه.

ويستعرض الشنقيطي جملة من النصوص والمواقف التي أرساها كبار علماء الإسلام، من أهل السنة وغيرهم، والتي تؤكد مكانة الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”، وبمواقف الصحابة والتابعين الذين أجمعوا على جلالة قدرهما.

ويذهب الرد إلى أبعد من ذلك حين يعيد قراءة واقعة كربلاء بوصفها لحظة ظلم تاريخي فادح، لا يمكن تحميل مسؤوليتها للإمام الحسين، بل تُقرأ في سياق صراع السلطة وتحول الخلافة إلى ملك عضوض، وهو التحول الذي اعتبره عدد من كبار المؤرخين نقطة انعطاف خطيرة في التاريخ السياسي الإسلامي.

ويشير الطرح إلى أن محاولة تبرير قتل الإمام الحسين أو تحميله مسؤولية “إشعال الفتنة” لا تستند إلى منهج علمي رصين، بل إلى إسقاطات سياسية لاحقة تعيد إنتاج سردية السلطة المنتصرة، وتُفرغ الفاجعة من بعدها الأخلاقي والإنساني العميق.

وفي المقابل، يلفت الشنقيطي إلى أن الانزلاق نحو تبرير الظلم التاريخي باسم الاستقرار السياسي أو وحدة الدولة يمثل خللًا منهجيًا في فهم العلاقة بين الشرعية والعدل، مؤكدًا أن ثورة الإمام الحسين في جوهرها كانت موقفًا أخلاقيًا ضد الاستبداد، وليست مجرد صراع على الحكم كما تُصوَّر أحيانًا.

كما يرفض، في تحليله، كل محاولات توظيف التاريخ لتكريس اصطفافات مذهبية متطرفة، سواء عبر الغلو في التشيع أو عبر ما يسميه “التطرف المقابل” الذي يبرر الظلم ويعيد إنتاج خطاب الإقصاء ضد آل بيت النبي ﷺ.

ويخلص النقاش، كما رصده “شبوة برس”، إلى أن القضية لم تعد مجرد جدل تاريخي حول شخصية الإمام الحسين أو يزيد، بل تحولت إلى اختبار فكري وأخلاقي لوعي المسلمين اليوم، بين قراءة تُنصف الرموز الكبرى في الإسلام، وأخرى تعيد إنتاج خطاب التبرير للظلم باسم السياسة أو الدولة.

ويؤكد الشنقيطي، في مجمل طرحه، أن مقتل الإمام الحسين يمثل جرحًا مفتوحًا في الضمير الإسلامي، لا يمكن تبريره أو تلميعه، وأن أي خطاب يتجاوز هذه الحقيقة إنما يضع نفسه في مواجهة مع القيم الأساسية التي قامت عليها رسالة الإسلام، القائمة على العدل، ونصرة المظلوم، ورفض الاستبداد.

وبذلك، يصبح الرد على شوقي القاضي، في جوهره، ليس مجرد نقاش تاريخي، بل دفاعًا عن مركزية آل بيت النبي ﷺ في الوجدان الإسلامي، وعن ضرورة الحفاظ على قدسية الرموز التي شكّلت ضمير الأمة عبر قرونها المتعاقبة.

ويُعد الدكتور محمد المختار الشنقيطي أحد أبرز الباحثين المعاصرين في الفكر السياسي الإسلامي وفلسفة الدين، وله مؤلفات ودراسات تناولت قضايا التاريخ الإسلامي، وفقه السياسة الشرعية، والأخلاق، ويُعرف بقراءاته النقدية التي تجمع بين المنهج الأكاديمي والاستدلال بالنصوص التاريخية والشرعية.