تُثبت مجريات الأحداث في الساحة يوماً بعد آخر أن محاولات القفز فوق الواقع أو تجاوز التطلعات المشروعة لشعب الجنوب لن تنتج إلا سلاماً هشاً وولادة مشوهة لاتفاقات مكتوب لها الفشل قبل أن تجف أحبارها.
وفي المشهد المحلي المعقد تبرز “قضية شعب الجنوب” ليس كملف هامشي يمكن إرجاؤه، بل كحجر الزاوية والركيزة الأساسية التي بدون حلها العادل لن ترى المنطقة استقراراً مستداماً.
مسارات التسوية: تجاهل مفتاح الحل:
من المؤسف والمستغرب أن نرى المسوّدات الحالية لخرائط الطريق والتفاهمات الإقليمية تضع قضية الجنوب في زاوية التهميش! وتتعامل مع الأزمة الحالية من منظور ثنائي ضيق يتمحور حول إرضاء سلطة الأمر الواقع في صنعاء.
إن صياغة حلول تركز على تقاسم عائدات ثروات الجنوب النفطية والغازية لتغذية رغبات مليشيات مسلحة مع تجاهل الهوية والسيادة الجنوبية هي مقاربة قاصرة لا تفهم جذور الصراع ولا تحترم توازنات القوى على الأرض.
وإن قضية الجنوب ليست ملفاً اقتصادياً يتعلق برواتب أو حصص ماليّة، بل هي قضية شعب ودولة وهوية وطنية جرى السطو عليها وتدمير مؤسساتها منذ حرب صيف عام 1994 الظالمة.
بالتالي فإن أي محاولة لتكريس مفهوم “دولة الوحدة” بصيغ قسرية جديدة هي إعادة إنتاج للفشل، ومغامرة غير محسوبة تضرب عمق الاستقرار الإقليمي والدولي وتحديداً في خطوط الملاحة البحرية الحيوية.
تضحيات جسام على مذبح الحرية:
لم يكن خيار استعادة الدولة واستقلال الجنوب ترفاً سياسياً، بل كان وما زال خياراً مصيرياً معمدّاً بدماء آلاف الشهداء والجرحى. لقد قدم شعب الجنوب منذ انطلاق الحراك السلمي الجنوبي في 2007، مرواً بملحمة التصدي للمد الحوثي في مارس 2015، تضحيات تفوق الوصف.
خاض أبطال القوات المسلحة الجنوبية والمقاومة الباسلة معارك وجودية، وحرروا أرضهم بمساندة الأشقاء في التحالف العربي، مسجلين انتصارات حاسمة كسروا بها المشروع الإيراني في المنطقة.
ولم تبخل الأمهات الجنوبيات بتقديم فلذات أكبادهن، ولم يتراجع الشارع الجنوبي يوماً عن رفع راية دولته، مؤكداً في كل مليونية شعبية ومحفل سياسي أن السيادة على أرض الجنوب كاملة غير قابلة للمساومة أو التقسيم .
استقلال الجنوب الضامن الحقيقي للإستقرار:
إن الإصرار شعب الجنوب على بناء الدولة المستقلة الفيدرالية على كامل تراب الجنوب بحدوده المتعارف عليها دولياً ما قبل 22 مايو 1990، ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو ضرورة أمنية وجيوسياسية. فالدولة الجنوبية المنشودة هي الكفيل الوحيد بمكافحة الإرهاب وتأمين الممرات المائية الدولية في خليج عدن وباب المندب، وإرساء علاقات متوازنة ومستقرة مع الجوار الإقليمي.
لا يمكن للمجتمع الدولي والوسطاء الإقليميين الاستمرار في سياسة غض الطرف عن الإرادة الشعبية الجنوبية. وإن تجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى الحية على الأرض، ومحاولة فرض وصاية سياسية من خلال تفاهمات منقوصة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد والاحتقان.
يجب أن يدرك الجميع أن مفتاح الحل للأزمة اليمنية يقبع في عدن وليس في أي مكان آخر.. وأن القطار الذي يخطئ محطة الجنوب لن يصل أبداً إلى بر السلام.. لقد ولى زمن الحلول المفروضة بالقوة، وجاء الوقت لتمكين شعب الجنوب من تقرير مصيره واستعادة دولته كاملة السيادة، كمدخل إجباري ووحيد لاستقرار المنطقة بأسرها.
