في علم السياسة والقانون الدولي، لا تُكتسب مشروعية الأنظمة والحكومات بصكوك دولية عابرة للحدود، بل تُنتزع انتزاعاً بوجودها الفعلي على الأرض، والتصاقها المباشر بمعاناة المواطن، وقدرتها على فرض النظام وحفظ السيادة.

غير أن المشهد اليمني يضعنا أمام ظاهرة سياسية غريبة تفتقر لأبسط مقومات المنطق؛ سلطة يطلق عليها مجازاً اسم “الشرعية”، وهي تقيم في المنفى والمنافي منذ أكثر من اثني عشر عاماً.. فهل يصح عقلاً أو عرفاً، أن نمنح صفة الشرعية لكيان فاسد يسكن الفنادق والعواصم الخارجية، بينما يواجه الشعب مصيره منفرداً في الداخل؟

إن إخضاع هذه “الشرعية” المدّعاة لمشرط التحليل القانوني يكشف عن فراغ دستوري مطلق.. بالعودة إلى الدستور اليمني نجد أنه ينص صراحة على أن “الشعب هو مالك السلطة ومصدرها”، وحدد آليات واضحة لتجديد هذه السلطة عبر صناديق الاقتراع وضمن مدد زمنية محددة.. واليوم نرى أن مؤسسة الرئاسة (بمختلف تشكيلاتها ومجالسها المفروضة)، ومجلس النواب، ومجلس الشورى، قد انتهت صلاحياتهم ومددهم القانونية والافتراضية منذ سنوات طويلة.

 لم يجرِ تجديد هذه الشرعيات بانتخابات حرة كما تقتضي نصوص الدستور ولا حتى بتوافق شعبي حقيقي يمنحها مبرر البقاء، مما جعلها مجرد هياكل بلا روح قانونية.

أما الاستناد المستمر إلى ما يُعرف بـ “المرجعيات الثلاث” (المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216)، فقد تحول إلى أسطوانة مشروخة تجاوزها الواقع السياسي والعملي.

من غير المقبول منطقياً أن تظل حياة شعب كامل رهينة لمرجعيات عفى عليها الزمن وانتهت مفاعيلها السياسية على الأرض بعد أن رُفضت وتم تجاوزها من قِبل الطرف القوي واقعياً في الشمال وهم “الحوثيون”.

 إن التمسك بهذه المرجعيات الميتة إكلينيكياً ليس إلا محاولة بائسة للاستقواء بالخارج وشرعنة وصاية دولية وإقليمية أثبتت الأيام أنها لا تبحث عن مصلحة اليمنيين بقدر بحثها عن مصالحها الخاصة.

لكن المأساة الحقيقية والوجع الأكبر يكمن في الفجوة السحيقة والقطيعة الكاملة بين هذه الحكومة والشارع الذي تدعي تمثيله والوصاية عليه.

 لو نزلت اليوم إلى أي مدينة أو قرية، وسألت مواطناً بسيطاً يسحقه الغلاء وانقطاع الخدمات وتدهور العملة: “من هو وزير التربية والتعليم؟ من هو وزير الخارجية؟ أو من هو المسؤول عن ملفات الكهرباء والمياه؟”.. فإنني أجزم قطعاً بأنك لن تجد أحداً يجيبك بإجابة صحيحة!

المواطن اليوم لا يعرف أسماء وزراء هذه الحكومة ،والمسؤولون في المقابل لا يعلمون شيئاً عن طوابير المحروقات والخبز، ولا عن لهيب الصيف بلا كهرباء، ولا عن أنين المرضى في المستشفيات المتهالكة.

 فهل توجد في العالم حكومة شرعية يجهل الشعب أسماء أعضائها، ولا يشعر بوجودهم إلا عبر بيانات التعزية والإدانة الصادرة من الشتات؟

إن مآلات هذه الشرعية الافتراضية باتت واضحة ومحتومة؛ فهي تتجه نحو التلاشي والاندثار بعد أن أسقط الشارع مشروعيتها الواقعية والأخلاقية قبل القانونية.

 لا يمكن لسلطة أن تدعي تمثيل شعب لا تعيش تفاصيل يومه، ولا يمكن لـ “شرعية الفنادق” أن تصنع استقراراً أو تقود وطناً نحو الخلاص.

 لقد حان الوقت لمواجهة هذه الحقيقة دون مواربة: الشرعية الحقيقية لا تمنحها عواصم الخارج ولا قرارات الأمم المتحدة، بل يصنعها المواطن في الداخل بمعاناته وتطلعاته على ترابه الوطني أما شرعيات الوهم العابرة للحدود فلن يذكرها التاريخ إلا كهامش عابر في كتاب الخيبات.