(ليس لنا مشكلة خاصة مع شخوص أعضاء اللجنة، مشكلتنا مع التدوير وإعادة انتاج الفشل).

…..  في الوقت الذي ينتظر فيه الشعب المنهك من آلة الحرب والفساد بصيص أمل يُنبئ بولادة مرحلة جديدة تُبنى على الكفاءة والنزاهة، تصر السلطة السياسية على تقديم الوصفات القديمة ذاتها التي أورثت البلاد الأزمات.

 فالقرار الأخير بتشكيل “اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات” جاء ليؤكد حقيقة مريرة: أن عقلية إدارة الدولة لا تزال محصورة في دائرة ضيقة من “تدوير الأدوات القديمة”، وكأن عِقمًا أصاب هذه الأرض الولادة، فلم تعد قادرة على إنجاب وجوه شريفة أو كفاءات شابة ونزيهة.

حين تصبح المناصب مكافآت ترضية:

إن قراءة سريعة في أسماء التشكيل الجديد للجنة المناقصات تنبئك بالقصة كاملة؛ فالأمر لا يتعلق بضخ دماء جديدة قادرة على حماية المال العام، بل يبدو كعملية “إعادة تموضع وظيفي” لوزراء ومسؤولين سابقين انتهت صلاحية حضورهم في المشهد التنفيذي، فجرى البحث لهم عن “ملاذات وظيفية” جديدة تحت لافتة الرقابة ومكافحة الفساد.

هذا الأسلوب في التعيين يرسخ القناعة بأن المناصب في أعلى هرم السلطة لم تعد تُمنح بناءً على معايير الجدارة أو سجل النجاح، بل تحولت إلى “أعطيات سياسية” ومحاصصة تهدف إلى ترضية النخب على حساب شعب يتجرع مرارة التدهور الاقتصادي والمعيشي كل يوم.

المجرب لا يجرب:

يقول المثل العربي الدارج: “المُجرب لا يُجرب”، وهو مبدأ ضربت به القرارات الأخيرة عرض الحائط.. فالأسماء التي تصدرت تشكيل اللجنة ليست مجهولة بالنسبة للشعب؛ بل هم مسؤولون شغلوا مناصب وزارية ومحلية رفيعة في ذروة الأزمات الخدمية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد.

لقد عرف الشعب إخفاقاتهم وخيباتهم وعاش تفاصيل الفشل الذي وسم فترات إدارتهم السابقة.. فكيف يمكن لمن عجز عن إحداث فارق إيجابي في وزارته أو محافظته في الأمس، أن يكون اليوم حامياً للمال العام، وحكماً عدلاً في كبرى المناقصات والمشاريع الحكومية التي تُقدر بملايين الدولارات؟.

 إن وضع ملف المشتريات العامة في أيدي شخصيات ارتبطت بفترات إخفاق مؤسسي، هو مغامرة تعزز الشكوك وتحول أدوات “مكافحة الفساد” إلى مجرد غطاء شكلي يفتقر للمصداقية.

البلد ليس عقيما:

الجناية الأكبر في سياسة تدوير الوجوه هي الإيحاء الضمني بأن البلد عاجز عن إيجاد البديل.. وهذه مغالطة كبرى فالبلاد تعج بالآلاف من الكفاءات الشابة والأكاديميين والمتخصصين في مجالات القانون والمحاسبة والإدارة، ممن يمتلكون مؤهلات عالمية وسجلات ناصعة من النزاهة.

إن إقصاء هؤلاء الشباب والنزهاء، والإصرار على استدعاء أدوات الماضي لا يعكس عقمًا في البلاد، بل يعكس عقمًا في الرؤية السياسية التي تخشى الدماء الجديدة وتفضل التعامل مع الوجوه المألوفة لضمان استمرار شبكات المصالح ذاتها.

فصل الخطاب:

 إصلاح مؤسسات الدولة لا يبدأ من تغيير مسميات اللجان، بل من تغيير العقلية التي تختار شخوصها.. وطالما ظلت التعيينات تدور في فلك “المجربين الفاشلين”، فإن الحديث عن محاربة الفساد سيبقى حبراً على ورق.

 لقد حان الوقت لتدرك السلطة أن الشعب بات واعياً بما يكفي ليرفض بضاعة الماضي المُعاد تدويرها، وأن الرهان الحقيقي لإنقاذ ما تبقى من “مسمى الدولة” يكمن في تمكين النزهاء والكفاءات الشابة التي لم تتلوث يدها بإرث الخيبات السابقة.