عزلة 23 عاماً بدأت بقطيعة وتصادم مع الجوار وانتهت بغدر صنعاء… فهل نعيد الخطأ؟

الشعوب لا تُقهر حين تتمسك بحقها في الأرض والسيادة، والنصر يأتي لمن يُحسن الصبر ويُحسن اختيار الطريق.

غير أن الصبر الحكيم يبدأ من التفريق بين العدو والجار، وما يفرضه التجاور من توافق وتضاد، فالخلط بينهما هو أول دروب ضياع القضايا.

ترتفع أصوات تقول: “السعودية قتلت أبناءنا بالطيران”، فتُشيطن ويُصنع منها خصماً. صحيح أن الدم مؤلم، لكن القضايا الكبرى لا تُبنى على جرح مفتوح. فالشعوب التي تريد دولة تتحرر من أسر الماضي لتصنع ممرات المستقبل. والمملكة دخلت اليمن بتفويض دولي، وحين كانت تضرب الحوثيين أيدها كثيرون، وفي المقابل تُسجَّل مآسٍ أضعافها على يد الحوثيين، ومع ذلك لا يُنتقد من يطالب بفتح نوافذ حوار معهم. أليس الدم واحداً؟ وبريطانيا التي قصفت وقتلت وأحرقت القرى وأقامت معسكرات اعتقال للعائلات، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، تجد من يتمنى عودتها!

هذا التناقض لا يخدم القضية، فالعدو لا يُقاس بشدة الذاكرة، بل بحجم الخطر على الحاضر والمستقبل.

العقلانية ليست تهمة خيانة، وكل صوت ينادي بها يُواجه فوراً بوصف “مبنكس”. وكأن المطلوب من الجنوبي أن يختار بين الصمت أو التعبوية، مع أن للعقلانية ضرورتها وللتعبئة ضرورتها، لكن ما يجري يذكرنا بتنميطات وأوصاف أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه، وعندما تطغى العواطف على العقلانية تكون النتائج مكلفة، ولنا في التاريخ القريب عبر ودروس.

الغضب الشعبي مفهوم في ظل الخوف على القضية وتدهور الخدمات والاقتصاد، لكن تحويل هذا الغضب إلى صراع مفتوح مع الأطراف الإقليمية المؤثرة أو بين القوى الجنوبية لن يخدم القضية، بل سيمنح الخصوم فرصاً إضافية لاستثمار الانقسام.

والتاريخ شاهد، فعزلة 23 عاماً بعد عام 1967 لم تأتِ من فراغ، بل لأننا اخترنا التعبوية والتصادم مع الجيران وصنعنا من الشقيق عدواً. فماذا كانت النتيجة؟ اتجهنا إلى صنعاء فغدرت ومكرت، حتى خرج شاعرنا يصرخ ألماً بقصيدته المعروفة وبيته الموجع:

“إن جت بريطانيا رحبنا بها

وإن جاء اليهودي مرحباً به مرتين”

وصفقنا! أليس ذلك التصفيق موجعاً؟ ألم تقتل وتُشرد وتقيم معسكرات اعتقال؟

التاريخ لا يعيد نفسه عبثاً، بل يعيده من لا يتعلمون منه.

الجنوب لن يُحرر بمظاهرة، رغم أهميتها، فالقضايا الكبرى لا تحسمها الخطب والمنصات، بل تُدار في غرف السياسة والدبلوماسية. فالإرادة الشعبية من دون مسار سياسي ودبلوماسي ستبقى تراوح مكانها، والجنوب اليوم قضية ضمن إطار الوحدة وممسوك قانونياً وسياسياً بهذا الإطار، وفك هذا القيد يحتاج إلى عمل سياسي وعلاقات إقليمية ودولية طويلة النفس، لا إلى الهتافات وحدها.

وهنا يبرز وزن الدور السعودي:

أولاً: التجاور الجغرافي يفرض حقائق لا يمكن تجاوزها.

ثانياً: ليس من مصلحة السعودية القبول بدولة معادية على حدودها، وما يجري اليوم من تفاوض وهدن مع الحوثيين ليس استسلاماً، بل إدارة للمخاطر وخفض لكلفة الحرب.

ثالثاً: الرياض راعية اتفاق الرياض والحاضنة لمسار السلام، ومرتبطة بقرارات مجلس الأمن، وأي حراك دولي يمر عبرها، وتجاوزها يعني تجاوز الشرعية الدولية.

رابعاً: ما دام الجنوب محكوماً بإطار الوحدة، فمفتاح التعديل بيد من يرعى هذا الإطار ويدعمه مالياً وسياسياً. والسعودية اليوم ضامن للودائع، وداعم للخدمات، وشريك في مواجهة الحوثيين سلماً أو حرباً. ومعاداتها تعني بقاء القيد، فيما يفتح التفاهم معها باب البدء بتفكيكه.

خامساً: هناك قواسم مصيرية أمنياً واقتصادياً وسياسياً، فالاعتراف الدولي يحتاج إلى صوت في مجلس الأمن، وهذا الصوت يبدأ اليوم من الرياض، شئنا أم أبينا.

وفي هذا السياق تحديداً يصبح الموقف واضحاً: إن احترام إرادة الجنوب يمر عبر شراكة مع الرياض لا عبر تحديها أو تحويلها إلى خصم. فالشراكة تفتح أبواب الدعم والتعديل السياسي، أما التحدي فسيبقي الجنوب محصوراً في إطار الوحدة من دون أوراق ضغط فعالة.

الخيار واضح… إن كانت الذاكرة حصيفة.