بينما يتسابق العالم اليوم نحو المستقبل وتنشغل المجتمعات بالطفرات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، يجد المواطن نفسه هنا مسحوقاً تحت أقدام سلطة الأمر الواقع. يجد نفسه مجبراً على خوض معركة وجودية مهينة، عنوانها الأبرز هو الركض اللامتناهي من محطة وقود إلى أخرى، فقط للحصول على “20 لتر بنزين أو ديزل”.
هذا المشهد المخزي ليس نتاج الصدفة ولا يعبر عن شح حقيقي في الموارد، بل هو تطبيق فج وصريح لسياسة “التجويع والإلهاء الممنهج” التي تتخذها هذه السلطات المتسلطة كسلاح سياسي لتركيع الشعب وإخضاعه بشكل كامل.
تدرك السلطات المستبدة تماماً أن المجتمع المستقر معيشياً هو مجتمع يملك ترف الوقت للتفكير، والنقد، والمطالبة الصارمة بحقوقه المنهوبة.. بناءً على هذه العقيدة تصنع هذه السلطة الأزمات صُنعاً، وتدير الإنعدام كأداة حكم وسيطرة مثالية.
إن إهدار يومك بالكامل وحرق أعصابك وطاقتك النفسية والجسدية بين طوابير الذل والهوان هو استنزاف مقصود ومخطط له بدقة لإدخال الشعب في حالة من “الإنهاك الوجودي”.
الهدف الخبيث هو إيصال المواطن المقهور إلى مرحلة اليأس، بحيث يرى في الحصول على أدنى حقوقه البدائية بمثابة إنجاز ومكرمة تستحق عليها السلطة الثناء، بدلاً من الثورة عليها ومحاسبتها.
وخلف كل طابور وقود ممتد لعدة كيلومترات، تختبئ شبكات فساد طفيلية تتغذى علناً على دماء وقهر البسطاء. المشتقات النفطية لا تختفي فجأة، بل تُحجز بقرارات ممنهجة من القنوات والمحطات الرسمية (شركة النفط) لإنعاش وتسمين الفساد و”الأسواق السوداء” الرديفة ،والتي يديرها ويحتكرها بوقاحة نافذون وأمراء حرب تابعون لسلطة الأمر الواقع.
هكذا تتحول معاناتك وعذاباتك الممتدة في الشوارع إلى دجاجة تبيض ذهباً لتمويل بقاء الطغمة الحاكمة، في عملية نهب علني وسرقة منظمة لجيوب المواطنين وقوت أطفالهم.
الأخطر من ذلك هو سعي السلطة لتفكيك الحاضنة الاجتماعية؛ حيث تخلق هذه الأزمات حالة من التنافس الشرس والأنانية القسرية بين أفراد المجتمع الواحد، ليتحول المواطنون إلى “قطعان” تتصارع على طابور البنزين أو الغاز .
هذا التفتيت المتعمد يمنع تشكل أي رأي عام موحد أو حراك شعبي ضاغط، ويجعل المجتمع يواجه آلة القمع كأفراد معزولين ومشتتين لا ككتلة واحدة متماسكة ومقاومة.
إن الخروج من هذه المقصلة المظلمة يبدأ فوراً من كسر حاجز التدجين، والوعي بحقيقة المعركة وأبعادها. لتر الوقود ليس مكرمة، والطوابير المذلة ليست قضاءً وقدرًا، بل هي جريمة سياسية منظمة تهدف لإفراغ العقول قبل الجيوب.
لن يسقط هذا الاحتكار وهذا التركيع المهين إلا بالتكافل الاجتماعي وتعرية الفاسدين والرفض المطلق والبات للقبول بالفتات كبديل عن الكرامة الإنسانية والمواطنة الكاملة.
