خطاب جمعية الصداقة البريطانية الصادر في 15 يونيو 2026 يقولها بلا تجميل: “السلام لم يعد خياراً، بل إنقاذاً من كارثة”. وبريطانيا تطلب ممكنات سلام لا شعارات 2015، ولا تعنيها كارثتنا بقدر ما يعنيها أمن باب المندب وطريق التجارة الدولية، وتطالب النخب بالتخفف من أثقال الماضي.
ولأن بريطانيا ليست دولة عادية، بل خزنة الغرب الاستعمارية، فإن كل جريمة تقسيم، وكل وعد مسروق، وكل خريطة رُسمت بالدم، تجد أصلها محفوظاً في أدراج لندن. لذلك حين تتحدث عن الاستقرار، فإنها تقرأ من ملف عدن وباب المندب منذ 1839، لا من وجع 1994 ولا من أزمات 2026.
ومن يؤمن باب المندب هو من يستطيع إغلاقه أو يملك القدرة على كسر يد من يحاول إغلاقه. ولا أعتقد أنه بعد حرب استمرت عقداً من الزمن يستطيع أحد ممن حاربوا الحوثيين أن يكسر ذراعه، حتى حملة “حارس الازدهار” فشلت في ذلك. هذه هي الورقة الوحيدة التي تجعل لندن والعالم يصغيان إلينا. أما الشعارات بلا تفاهمات، حتى وإن كانت مؤلمة، فهي مجرد ضجيج في أرشيفهم.
السؤال المحرج: هل يضحي العالم والإقليم بقضية الجنوب إذا لم يجد رأساً سياسياً موثوقاً؟
الجواب: نعم. فمنطق الدول يقوم على حسابات الكلفة والعائد، لا على الحقوق التاريخية. وكما غرّد أحد قيادات الانتقالي: “أي دولة تريد أن تبدي تعاطفها مع المجلس الانتقالي سوف تتردد، ليس لأن الانتقالي لا يمتلك شعبية، بل لأن الخطاب من الداخل تحريضي لا سياسي، ولا يحمل لغة قادرة على احتواء ما جرى عبر قنوات سياسية”.
خطاب التحريض والتخوين، وغياب الخطاب السياسي، وسوء نماذج الإدارة، كلها عوامل قد تحول قضيتنا في أرشيف الأمم المتحدة من قضية شعب إلى مطلب فصيل مهما اتسع حجمه.
السعودية تريد حدوداً آمنة، وبريطانيا تريد استقراراً لطريق الملاحة، وقد تتجهان إلى الصفقة الأسهل مع اليمن إذا لم نقدم رأساً سياسياً موحداً وضمانات أمنية حقيقية، أو حتى تنازلات مؤلمة، لأننا الطرف المحتاج إلى الإقليم والعالم.
لكل الجنوبيين، لا أحد يملك صكاً على الجنوب.
العالم يتعامل مع الواقع الذي تصنعه. فإن لم تصنعه اليوم، فسيتفاوض غداً مع من يضمن له السلام. وحينها سنفيق جميعاً، مهما ظننا أننا مختلفون، على حقيقة أن ولايتنا انتقلت من “الشيخ ورئيس الشيخ” إلى “مولانا عبدالملك بن بدر الدين الحوثي”، ونعود نردد: كنا قضية.
فهل من استفاقة؟
أم كما قال المرحوم محمد عبدالملك المتوكل: “الجنوبيون يتقاتلون على جلد الصيد قبل أن يصطادوه”.
