(التناقض بين الدعوى والتطبيق)*

“الخطاب السلفي المقلِّد أنموذجًا”

من أكثر ما يلفت النظر في الخطاب السلفي المقلِّد، كثرة التناقض بين الشعارات المرفوعة والواقع العملي.

فهم يعلنون – في كل مناسبة – أن المرجع هو القرآن والسنة، وأن الواجب هو اتباع الدليل ونبذ التقليد.

لكنك حين تناقشهم في كثير من المسائل؛ تجد أن النصوص القرآنية الواضحة، والأحاديث المشهورة، تُترك جانبًا إذا خالفت ما استقر في كتب المتأخرين أو ما تبنته المدرسة التي ينتمون إليها. فيتحول الميزان من عرض الأقوال على الوحي، إلى عرض الوحي على الأقوال.

ويكثر حديثهم عن ذم الغلو والتحذير منه، لكنهم يقعون في صور مختلفة من الغلو؛ غلو في تعظيم علمائهم حتى تصبح أقوالهم عند الأتباع أقرب إلى المسلمات التي لا تُناقش، وغلو في إقصاء المخالف أو اتهامه في دينه لمجرد مخالفته لاجتهادات بشرية ليست نصوصًا منزلة.

ومن التناقضات الواضحة كذلك، أنهم يستدلون بالسواد الأعظم وإجماع الأمة عندما يكون الواقع في صالحهم، ويجعلون مخالفة الجمهور طعنًا في جماعة المسلمين. ولكن متى ما تغيرت الموازين وأصبحوا أقلية؛ استدعَوا نصوص الغُربة، وصار الحق عندهم لا يُقاس بالكثرة ولا بالقلة؛ بل بما يرونه هم حقًا، فمعيارهم يتبدل تبعًا للموقع لا تبعًا للمبدأ.

كما يكثر ترديدهم لشعار الوقوف عند حدود النصوص وعدم الزيادة في الدين؛ لكنك تجد في كتب العقائد عشرات المسائل والتقسيمات والاصطلاحات التي لا وجود لها في القرآن، ولا نُقلت عن النبي ﷺ، ولا عُرفت عن الصحابة بهذا التفصيل، ثم يُجعل الإيمان بها أو تبنيها، علامةً على صحة الاعتقاد وسلامة المنهج.

ويتحدثون – كثيرًا – عن خطورة التكفير وأنه منهج الخوارج، وهذا كلام صحيح من حيث الأصل؛ لكن الممارسة العملية – في كثير من الأحيان – تكشف توسعًا في إخراج الناس من دائرة أهل السنة أو اتهامهم بالضلال والابتداع لمجرد مخالفتهم لبعض الآراء الموروثة، حتى يصبح الخلاف في مسائل اجتهادية، سببًا للطعن في الدين والعقيدة.

ومن أغرب ما يُرى، أنهم ينهون الناس عن الخوض في القضايا التي لم يشتغل بها النبي وأصحابه. ثم ينشغلون هم أنفسهم بمعارك عقدية واصطلاحية طويلة حول مسائل لم تكن مطروحة أساسًا في عصر الرسالة، ويجعلونها معيارًا للولاء والبراء، وكأن الدين الذي أكمله الله ﷻ للناس، لم يكتمل إلا بهذه المصطلحات المتأخرة.

ولهذا فإن المشكلة ليست في الدعوة إلى القرآن أو السنة، فكل مسلم يؤمن بوجوب التمسك بهما؛ وإنما المشكلة حين تتحول أقوال الرجال إلى مرجع أعلى من النصوص عمليًّا، وحين تُرفع شعارات محاربة التقليد بينما يُمارَس التقليد بأشد صوره تحت أسماء مختلفة.

* بتصرُّف من كتاب (قراءة في كتب العقائد) للباحث: حسن المالكي.