في الوقت الذي يعاني فيه أبناء الجنوب من أزمات متراكمة تمس حياتهم اليومية، من تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة وتدهور الأوضاع المعيشية، تفاجأ المواطنون بالحديث عن توجه الحكومة نحو مطالبة مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الرئيس عيدروس الزبيدي، بحجة أنه يعرقل العملية السياسية.
وهنا يبرز سؤال مشروع يطرحه الشارع الجنوبي: هل أصبحت هذه القضية هي الأولوية القصوى اليوم؟ وهل تم حل مشاكل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والرواتب والاقتصاد حتى تتفرغ الحكومة للسعي وراء فرض عقوبات على هذا الطرف أو ذاك؟
إن المواطن البسيط الذي يعيش ساعات طويلة في الظلام، ويكافح لتوفير احتياجات أسرته الأساسية، لا ينظر إلى الأمور من زاوية الصراع السياسي بقدر ما ينظر إليها من زاوية واقعه اليومي الصعب. ولذلك فإن كثيراً من الناس يرون أن الواجب الأول على أي حكومة هو معالجة الأزمات الخدمية والاقتصادية ومحاربة الفساد وتحسين مستوى معيشة المواطنين قبل الانشغال بالمعارك السياسية.
لقد مضت سنوات طويلة والحكومة تتحمل مسؤولياتها الدستورية والتنفيذية، ومع ذلك ما زالت الخدمات في حالة تراجع مستمر، وما زال المواطن يدفع ثمن الإخفاقات المتراكمة في مختلف القطاعات. ومن هنا يتساءل الكثيرون: أليس من الأولى توجيه الجهود نحو إصلاح الأوضاع الاقتصادية وتحسين الخدمات العامة بدلاً من الانشغال بمطالبات سياسية وعقابية لا تعالج معاناة الناس؟
إن نجاح الحكومات لا يقاس بعدد البيانات أو الشكاوى أو المطالبات المقدمة إلى المؤسسات الدولية، وإنما يقاس بما تقدمه للمواطن من خدمات وما تحققه من استقرار اقتصادي واجتماعي. فحين تتحسن حياة الناس يشعر المواطن بوجود الدولة، أما عندما تتراكم الأزمات فإن أي قضايا أخرى تصبح بعيدة عن اهتمامه مقارنة بلقمة العيش ومتطلبات الحياة الأساسية.
إن أبناء الجنوب اليوم يتطلعون إلى حلول حقيقية لأزماتهم المتفاقمة، ويتطلعون إلى أداء حكومي يلامس احتياجاتهم اليومية، لأن المواطن يريد كهرباء مستقرة، ورواتب تكفي للعيش الكريم، وخدمات صحية وتعليمية أفضل، وفرص عمل تحفظ كرامته. وهذه هي المعايير التي يحاسب الناس على أساسها أي حكومة أو مسؤول.
ويبقى السؤال قائماً: هل الأولوية اليوم لمعالجة معاناة المواطنين وتحسين أوضاعهم المعيشية، أم للاستمرار في صراعات سياسية لا يرى المواطن العادي انعكاساً مباشراً لها على حياته اليومية؟
17 يونيو 2026
