لا يمكن تحقيق سلام مستدام في البيئات السياسية المعقدة إلا عبر احترام حق المكونات السياسية في العمل الحزبي والتعبير عن تطلعات جماهيرها ،وهو المبدأ الذي تضمنته المواثيق الدولية وقوانين العمل السياسي.
إن المحاولات الأخيرة الرامية إلى تقويض مسيرة المجلس الانتقالي الجنوبي، بدءاً من إعلان حله من الرياض وإغلاق مقراته، وصولاً إلى منع قياداته من ممارسة تفويضها السياسي، تمثل تراجعاً خطيراً عن مسار التوافق والشراكة. وإن التلويح بالقمع أو استخدام لغة القوة في مواجهة المشاريع السياسية الحية لن يجدي نفعاً، بل سيعمق الأزمات ويهدد السلم الاجتماعي والاستقرار الإقليمي.
مسيرة المجلس الإنتقالي: من المعاناة إلى التمكين:
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 ليكون تعبيراً تنظيمياً وسياسياً عن آمال وتطلعات قطاع واسع من أبناء الجنوب بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء.. ولم يكن المجلس مجرد لافتة عابرة، بل تحول عبر مسيرته إلى واقع سياسي وعسكري واجتماعي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة للحل.
تنظيم الحراك وتحويله إلى تكتل مؤسسي:
نجح المجلس في نقل القضية الجنوبية من الشتات والمطالب الميدانية المبعثرة إلى أروقة العمل السياسي المنظم والمحافل الدبلوماسية الدولية.
فرض الشراكة السياسية:
أثبت المجلس حضوره كشريك أساسي في اتفاق الرياض (2019) وفي مجلس القيادة الرئاسي اللاحق، مما منحه شرعية التوافق المحلي والإقليمي لإدارة المرحلة الانتقالية.
الالتزام بالقضية وحماية النسيج الجنوبي:
قاد المجلس جهوداً حثيثة لتوحيد الرؤى الجنوبية، مؤكداً في أدبياته أن الجنوب يتسع لكل أبنائه على قاعدة التصالح والتسامح والشراكة الوطنية.
حتمية المشاركة في حوار الرياض الجنوبي:
تأتي الدعوة السعودية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي في الرياض كفرصة تاريخية لإعادة ترتيب الصفوف وصياغة رؤية جامعة تلبي تطلعات كافة المكونات.. ومع ذلك فإن نجاح هذا الحوار يظل مشروطاً بإنهاء سياسة الإقصاء والاعتراف بحتمية حضور المجلس الانتقالي كركيزة أساسية في المشهد الجنوبي لعدة أسباب جوهرية :
لا حلّ بدون القوى الفاعلة على الأرض:
إن تجاوز الكيانات التي تمتلك تمثيلاً شعبياً وقواعد جماهيرية واسعة يحول أي مؤتمر إلى حبر على ورق، فالاستقرار يتطلب إشراك القوى القادرة على تنفيذ المخرجات وحمايتها ميدانياً.
شروط الحوار الناجح تبدأ برفض القمع:
لا يمكن التأسيس لطاولة حوار حقيقية في الرياض بينما تُغلق المقرات وتُفرض القيود على حركة القيادات في الداخل.. السلام يبدأ بفتح المساحات السياسية وضمان حرية التعبير والتنظيم.
وحدة الصف في مواجهة المهددات الكبرى:
إن إضعاف جبهة المكونات السياسية الجنوبية عبر صراعات داخلية وإجراءات تعسفية لا يخدم سوى المتربصين بأمن المنطقة، وعلى رأسهم جماعة الحوثي مما يجعل الحفاظ على تماسك كافة القوى ضرورة استراتيجية للتحالف العربي وللداخل على حد سواء.
فصل الخطاب:
سوا اتفقنا او اختلفنا مع المجلس الإنتقالي فإن محاولات تغييبه من المشهد السياسي عبر القرارات الفوقية أو التهديد بالقوة لن تغير من حقيقة الالتفاف الشعبي حول القضية التي يمثلها. وإن التأسيس لمستقبل آمن للجنوب واليمن بشكل عام يتطلب الإيمان المطلق بأن لغة الإقصاء قد ولّت، وأن حوار الرياض يجب أن يكون منصة جامعة ومستقلة تشارك فيها كافة القوى بلا تمييز، لضمان صياغة حلول عادلة وشاملة تحترم إرادة المجتمع وتحقق استقراره المستدام.
