قبل أن تصل الجماعات الدينية إلى الجنوب العربي لم يكن يوماً أرضاً بوراً حتى تأتي هذه الأيديولوجيات المستوردة التي ولدت في أتون الحرب الأفغانية أو في أروقة الإسلام السياسي، بل كان هذا الجنوب يحمل إرثاً دينياً وعلمياً من أعمق ما أنجبته هذه الأمة.
كانت حضرموت وعدن مدارس للجنوب كله، تُصدِّر علماءها إلى جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا، تحمل معها إسلاماً راسخاً في التسامح، مُتجذراً في الفقه، مشبعاً بالروحانية، ومحصّناً بالثقة بالنفس.
ذلك الإرث لم يكن ناقصاً يحتاج إلى من يكمله، ولم يكن مشبوهاً يحتاج إلى من يصحّحه. كان كافياً، وكان فخراً.
والأيديولوجيات الوافدة تعرف ذلك جيداً، ولهذا كانت خطوتها الأولى دائماً واحدة هي جعل الجنوبي يشكك في موروثه و إشعاره بأن أجداده كانوا على ضلال (ومن منّا لا يتذكر دعوات شباب تلك الجماعات والديهم الى تجديد عقود زواجهم)، وأن الهداية لا تأتي إلا من بعيد، ومن جديد، ومن هناك.
