تشكل المنظومة التعليمية الركيزة الأساسية لحفظ الهوية الوطنية، وبناء رأس المال البشري وتأمين الاستقرار لأي مجتمع.. ومع ذلك يشهد قطاع التعليم في المحافظات الجنوبية تدهوراً حاداً يصفه أكاديميون بالانهيار الشامل.. هذا الانهيار يتجاوز تداعيات الحرب المستمرة ليحمل مؤشرات على غياب الإرادة السياسية والوقوع تحت طائلة سياسات تهميش وإقصاء تركت جيل الشباب عرضة للأمية الوظيفية والتجهيل المتعمد. 

نسعى في هذا المقال التحليلي إلى تسليط الضوء على الأبعاد الهيكلية والسياسية التي قادت لسقوط المؤسسة التعليمية في الجنوب وتداعياتها على النسيج التنموي للمنطقة.

أولاً: الجذور التاريخية والتهميش الإداري الممنهج

لعبت التحولات السياسية بعد حرب عام 1994 دوراً محورياً في تفكيك البنية التعليمية المتميزة للمحافظات الجنوبية.. فقد اعتمدت الأنظمة المتعاقبة سياسات ساهمت في إضعاف التعليم عبر تدمير المناهج الدراسية، واستبدالها بخطط حشو وتكرار أفرغت التعليم من محتواه الحضاري والتنويري.. تزامن ذلك مع إقصاء الكفاءات التربوية الجنوبية وإحالتهم القسرية للتقاعد دون إحلال دماء جديدة مؤهلة، فضلاً عن الإهمال التام للبنية التحتية، وغياب تأهيل المدارس الحكومية، مما أدى لتكدس الطلاب في صفوف غير مهيأة ودفع الكثيرين منهم للتسرب.

ثانياً: تجويع المعلم وخصخصة التعليم

لا يمكن فصل هذا الانهيار عن الأزمة الاقتصادية الخانقة وتآكل العملة المحلية.. فقد شكل استهداف معيشة المعلم الأداة الأكثر فتكاً بالمنظومة؛ حيث انخفضت القيمة الشرائية للرواتب بشكل حاد، مما دفع الكوادر المؤهلة لخوض إضرابات طويلة، أو مغادرة السلك التربوي بحثاً عن مهن بديلة تؤمن عيشهم، واحلال البدائل غير المؤهلين محلهم. 

هذا العجز الحكومي أدى لتنامي “تعليم الظل” المتمثل في المدارس الخاصة والمراكز التجارية، وهو ما عمّق الفجوة الطبقية وحرم أبناء الأسر الفقيرة من حقهم الدستوري والقانوني في تعليم مجاني عادل.

ثالثاً: عسكرة العقول والتجنيد كبديل للمقاعد الدراسية

من أخطر مظاهر سياسة التجهيل غير المباشرة هي دفع الطلاب نحو خيارات بديلة عن التحصيل العلمي. في ظل غياب الآفاق الوظيفية للخريجين الجامعيين وانسداد سبل العيش، أصبح الانخراط في التشكيلات العسكرية والجبهات هو الخيار الاقتصادي الوحيد المتاح والجاذب للشباب لضمان دخل مالي منتظم.

 هذا التحول البيئي الخطير حوّل وعي الجيل الصاعد من الرغبة في التسلح بالقلم والمعرفة إلى التسلح بالبندقية، مما يهدد بإفراغ الجامعات من طاقاتها، وخلق جيل يفتقر للمهارات العلمية اللازمة لإدارة مؤسسات الدولة مستقبلاً.

رابعاً: التداعيات الكارثية على مستقبل الجنوب

تتمثل الآثار الوجودية طويلة الأمد لاستمرار هذا الانحدار في ثلاثة أبعاد رئيسية: 

تنامي الأمية والجهل الوظيفي مما ينتج جيلاً غير قادر على تلبية متطلبات سوق العمل؛ وتهديد السلم الاجتماعي نتيجة انتشار الفكر المتطرف والجريمة في ظل غياب الحواضن التعليمية؛ وأخيراً تكريس التبعية التنموية من خلال تفريغ الجنوب من النخب والكوادر المؤهلة، وبقاء مؤسساته الإدارية ضعيفة ومعتمدة على الخارج.

ماهي الحلول؟ 

 يتبين أن سقوط التعليم في الجنوب هو نتاج تداخل معقد بين التقصير الحكومي والإهمال المزمن… إن مواجهة هذه الكارثة تتطلب انتشال المعلم أولاً وضمان عيشه الكريم تليها مراجعة شاملة للمناهج وضخ استثمارات عاجلة لإعادة تأهيل المدارس والجامعات.

 إن إنقاذ شباب الجنوب من فخ التجهيل وعسكرة العقول هو الخطوة الأولى والوحيدة نحو بناء مجتمع مستقر ودولة مؤسسات حقيقية تقودها الكفاءات.