لم يعد مستغرباً في زمن التحولات الكبرى والمصالح الضيقة أن ترى المواقف تتغير وتبدل كما تُبدل الملابس لكن المؤلم والمدعاة للسخرية السوداء هو أن تحول معاناة الشعب ومآسيه إلى شماعة يعلق عليها البعض شعاراتهم، أو سلم يركبونه للوصول إلى مآربهم الشخصية .

اليوم أصبحنا نعيش في زمنٍ غريب الكل فيه يدعي الوطنية والكل يتباكى على معاناة الشعب الجنوبي. تجد أولئك الذين يتصدرون المنابر يذرفون دموع التماسيح على الأوضاع المعيشية والخدمات المنهارة ويحملون راية الدفاع عن الحقوق المسلوبة ولكن متى يحدث ذلك؟ فقط عندما تلوح في الأفق بوادر خسارتهم لـ كرسي السلطة أو عندما يُزاحون عنه .

المفارقة العجيبة والصدمة الحقيقية التي يتجرعها هذا الشعب المكلوم تظهر عندما يجلس هؤلاء أنفسهم على الكرسي ويدخلون في نعيم السلطة ونفوذها في تلك اللحظة تبدأ الغشاوة بالنزول على أعينهم وتصاب آذانهم بالصمم عن سماع صرخات الجياع والمطالبين بأبسط مقومات الحياة .

والأنكى من ذلك هو تبدل المصطلحات والخطاب:

 فالمواطن الذي كان بالأمس في نظرهم مناضلاً يطالب بحقه المنهوب يصبح فجأة مخرباً وخارجاً عن القانون .

والاحتجاجات السلمية المطالبة بالخدمات تصبح مؤامرة تستهدف الاستقرار وتستهدف القضية 

 بل وتصل الوقاحة ببعضهم إلى تبرير القمع واعتبار أن هذا الشعب يستاهل الضرب بالرصاص لمجرد أنه رفع صوته رافضاً للظلم .

وهنا تكمن قمة الانتهازية والإنفصام السيادي فأولئك الذين كانوا بالأمس شركاء متخندقين في كراسي السلطة يقتسمون الغنائم والمناصب هم أنفسهم من كالوا التهم الجاهزة لمن خرج من عامة الشعب يشتكي الجوع والفقر او ظلام الكهرباء بل ولم يترددوا في توجيه فوهات البنادق لمواجهتهم وقمعهم بالسلاح لحماية امتيازاتهم واليوم وبعد أن دارت الدائرة وفقدوا تلك الكراسي والامتيازات عادوا بلا خجل ليتدثروا بعباءة الثورية ويدعون الشعب نفسه الذي قمعوه بالأمس للخروج والتظاهر لصالح معاركهم الخاصة .

إنها انفصام سياسي مقيت يكشف عورة النخب التي لم ترَ في الوطن يوماً سوى غنيمة وفي الشعب سوى وقود لمعاركها الشخصية إن الوطنية ليست صكاً يُمنح ويُسحب حسب القرب والبعد من كراسي الحكم والمعاناة الحقيقية للشعب الجنوبي أكبر من أن تُختزل في طموحات أشخاص يبحثون عن مناصب .

لقد وعى الشعب اللعبة وأصبح قادراً على التمييز بين الوطني الحقيقي الذي ينحاز للمواطن في كل الظروف وبين تاجر المواقف الذي يبيع ويشتري بآلام الناس فإذا شبع صمت وصم آذانه وإذا جاع واستُبعد تذكر فجأة أن هناك شعباً يستحق الحياة

عيدروس صلاح المدوري