يعيش اليمنيون اليوم فصولاً مأساوية من أزمة إنسانية واقتصادية هي الأشد فتكاً في التاريخ الحديث، حيث تحول الواقع اليومي إلى صراع مرير من أجل البقاء. وفي قلب هذه المعاناة يبرز تساؤل جوهري يتردد في الشارع اليمني: كيف يمكن لمنظومة سياسية وإقليمية تمتلك كافة المقدرات أن تفشل طيلة هذه السنوات في إدارة المحافظات المحررة وتأمين أبسط مقومات العيش؟
تفكيك منظومة “الشرعية”: غياب الفاعلية واستمرار التمسك:
تجمع الكثير من القراءات السياسية على أن ما يسمى “الشرعية اليمنية” باتت تعاني من ترهل هيكلي وفصل تام عن واقع المواطن على الأرض. هذا الفشل يتجلى في عجزها عن العودة لإدارة البلاد من الداخل واستشراء الفساد في مؤسساتها، وفشلها في ضبط الملف الاقتصادي ووقف انهيار العملة الوطنية.
ورغم هذا العجز الواضح، يبرز تساؤل ملح: لماذا تتمسك المملكة العربية السعودية بهذه الشرعية؟
ينقسم المراقبون في تفسير هذا التمسك إلى رؤيتين:
المصلحة القانونية والسياسية:
ترى الرياض أن هذه “الشرعية” هي الغطاء القانوني والسياسي الوحيد الذي يمنح التدخل الإقليمي مشروعية دولية أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن. غياب هذا الغطاء يعني تحول المشهد إلى فوضى قانونية كاملة تعقد أي مسار تفاوضي مستقبلي.
أداة لإدارة النفوذ:
يرى تيار آخر أن بقاء شرعية ضعيفة ومغتربة يضمن بقاء القرار السياسي والسيادي اليمني تحت تأثير وتوجيه الأطراف الإقليمية، مما يمنحها هامشاً أكبر لتمرير ترتيبات أمنية وجيوسياسية تخدم مصالحها الخاصة على حساب تطلعات الشعب اليمني.
المشهد الجنوبي: تدهور الخدمات وسيناريوهات “الإخضاع”:
شهدت الساحة الجنوبية تحولات متسارعة أدت إلى إنتهاء دور المجلس الانتقالي الجنوبي في المشهد السياسي الفاعل لصالح ترتيبات جديدة. ومع ذلك وبدلاً من تحسن الأوضاع، تسارعت وتيرة تدهور الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني.
هذا المفارقة تفتح الباب أمام قراءتين رئيسيتين لطبيعة الأزمة المعيشية:
فرضية سياسة التجويع والإخضاع:
يرى قطاع واسع من الشارع والمحللين أن هذا التدهور السريع ليس مجرد صدفة أو نتاج عجز إداري، بل هو “سياسة تجويع ممنهجة ومقصودة”. الهدف منها إنهاك الشارع وإشغاله بالبحث عن لقمة العيش لكسر إرادته السياسية، وتمرير أجندات إقليمية مشبوهة تتعلق بالسيطرة على الموانئ والمنافذ البحرية والجزر الاستراتيجية دون معارضة شعبية حقيقية.
فرضية الفشل الهيكلي والصراع الصامت:
بالمقابل، يرى آخرون أن التدهور هو النتيجة الحتمية لغياب التوافق والصراع الصامت على الموارد والجمارك بين مراكز القوى المتعددة، مضافاً إليه توقف الصادرات النفطية التي كانت تغذي خزينة الدولة بالعملة الصعبة.
الشرعية في ميزان القانون الدولي واستمرار الدعم:
يثير استمرار الدعم الدولي والتحالفي للشرعية تساؤلات قانونية وسياسية كبرى؛ حيث يرى قانونيون ومتابعون أن الأعراف الدولية والتجارب التاريخية تفند استمرار مشروعية حكومة تقضي أكثر من عقد من الزمن خارج حدود بلادها دون تفويض شعبي متجدد أو بسط نفوذ فعلي على الأرض.
ومع ذلك، يصر التحالف والمجتمع الدولي على هذا الاعتراف نظراً لأن النظام الدولي يتعامل مع “الدول” عبر قنواتها الرسمية المسجلة في الأمم المتحدة.. وتخوفاً من أن يؤدي إسقاط هذا الاعتراف إلى شرعنة سلطات الأمر الواقع في مختلف المناطق.
هل فشل التحالف في اليمن؟
عند تقييم مسيرة التحالف، تتباين الأحكام بحسب زاوية النظر.
منظور الفشل الفعلي:
بالنظر إلى الأهداف المعلنة للتحالف عند انطلاقه، يرى الكثيرون أن الإخفاق كان كبيراً؛ فلم تُستعد الدولة ولم يتحقق الاستقرار الاقتصادي، وتحولت المناطق المفترض أنها “محررة” إلى بؤر للأزمات المعيشية والاقتتال البيني، مع تعاظم النفوذ العسكري الخارجي على حساب السيادة اليمنية.
منظور تحقيق الحد الأدنى:
في المقابل يرى المدافعون عن دور التحالف أنه نجح في منع سقوط كامل الجغرافيا اليمنية تحت نفوذ قطب إقليمي منافس (إيران)، وحافظ على ممرات الملاحة الدولية في حدود معينة، واحتوى الأزمة من الانفجار نحو فوضى شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
المخارج المحتملة لحلحلة الوضع المأساوي:
للخروج من هذا الواقع المزري وتخفيف وطأة المعاناة عن المواطن تبرز عدة مسارات وحلول مقترحة منها:
تحييد الملف الاقتصادي فوراً:
فصل لقمة عيش المواطن عن الصراع السياسي عبر توحيد السياسة النقدية والبنك المركزي وإلغاء الجبايات غير القانونية لتخفيض أسعار السلع.
إصلاح جذري لمنظومة الحكم:
تشكيل حكومة كفاءات وطنية مصغرة تدير الأمور من داخل الأراضي اليمنية وتخضع للمساءلة والمحاسبة مع تجفيف منابع الفساد المستشري.
استئناف التصدير السيادي:
الضغط الدولي والإقليمي للسماح بإعادة تصدير النفط والغاز وتوجيه عائداته بالكامل لدفع مرتبات الموظفين وتحسين قطاع الخدمات (كالكهرباء والطاقة).
تسوية سياسية شاملة:
الانتقال من صيغة الوصاية الخارجية إلى حوار مباشر وشامل بين كافة القوى الفاعلة على الأرض برعاية أممية، لوضع خارطة طريق انتقالية تضمن الشراكة وتؤسس لسلام دائم.
إن استمرار العبث الحاصل في البلاد لم يعد مقبولاً ولا محتملاً والصبر الشعبي الذي راهنت عليه الأطراف المختلفة يقترب من حافته الأخيرة. إن إنقاذ البلد يتطلب أولاً وقبل كل شيء استعادة السيادة والقرار الوطني، وتغليب مصلحة المواطن الذي يدفع وحده ثمن هذه الحرب وهذا الفشل الإداري والإقليمي.
