كثيراً ما يقف المرء أمام شريط الذكريات الوطنية، لا ليحتفي بالأبطال، بل ليسائل التاريخ عن تلك الندوب التي لا تندمل. حين نعود إلى تلك الحقبة التي تعاقبت فيها الوجوه – من “سالم ربيع علي” إلى “علي عنتر”، ومروراً بكل تلك الأسماء التي صاغت مصير الجنوب في غرفٍ مغلقة – لا نجد أمامنا إلا حطام حلمٍ كبير، تكسّر على صخرة الأيديولوجيا، وضياع البوصلة.
لقد كانت مرحلةً اتسمت بالضجيج، ضجيج الشعارات التي وعدت بالسمو، وانتهت بالانكسار. لقد اختزلوا “الوطن” في صراعاتِ أجنحةٍ، وأضاعوا “الشعب” في متاهاتِ البحث عن شرعيةٍ مفقودة، حتى انتهى بنا المطاف إلى ذلك اليوم الذي فُتحت فيه أبواب البلاد على مصراعيها، بلا ضمانات، وبلا رؤية، لنعبر نحو المجهول الذي ما زلنا نعيش تبعاته حتى هذه اللحظة.
إن ما يؤلم اليوم ليس الماضي بذاته، بل “النسيان الانتقائي” الذي يمارسه البعض، أو محاولة تجميل مرحلةٍ كانت في جوهرها قائمة على تغييب الوعي وتهميش الأصوات. ألم يكن حرياً بمن أمسكوا بزمام السلطة أن يدركوا أن الوطن ليس “غنيمةً” يُتفق على تسليمها، بل هو أمانةٌ في أعناقِ من يدعون تمثيله؟
نكتبُ اليوم لا لنغرق في لغة الشتائم، فالتاريخ أكبر من أن يُختزل في نقد الأشخاص، لكننا نكتب لأننا أصحاب الحق في المساءلة. إننا نبحث عن “النسب الوطني” الذي ضاع بين الأيديولوجيات الدخيلة والولاءات المتغيرة.
سيظل السؤال معلقاً في ذاكرة كل جنوبي: كيف تحولت تلك الطموحات الكبرى إلى واقعٍ مُر، وكيف صار مصير شعبٍ كاملٍ رهينةً لقراراتٍ اتُخذت بعيداً عن أهله؟
رحم الله وطناً دفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، وصبراً لجيلٍ يواجه اليوم أوجاع الأمس، باحثاً عن وجهه الحقيقي وسط ركام التاريخ.
