في أدبيات الأزمة اليمنية يتردد مصطلح “المرجعيات الثلاث” (المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، والقرار الأممي 2216) كمعادلة مقدسة وثابت لا يقبل المساومة لدى مايسمى “الحكومة الشرعية” والمنظومة الدولية. 

ومع دخول الصراع عقده الثاني يبرز سؤال جوهري تطرحه التحولات على الأرض: 

هل ما زالت هذه المرجعيات صالحة لصناعة السلام، أم أنها تحولت إلى قيود دبلوماسية تعزل المسار السياسي عن الواقع؟

1 .*تآكل الصلاحية بفعل الزمن والميدان 

إن فكرة “فشل” المرجعيات لا تنبع من خلل في صياغتها القانونية، بل من تجاوز قطار الوقائع المتسارعة لها … ويمكن تفكيك هذا الانسداد في ثلاثة أبعاد:

المبادرة الخليجية : 

صُممت كآلية لنقل السلطة بين النخب السياسية التقليدية لإخماد ما أسمي “ثورة 2011” اليوم تجاوزت الخارطة السياسية تلك النخب، وبرزت قوى صاعدة ذات نفوذ عسكري وميداني لم تكن طرفاً في تلك المبادرة، مما يجعل العودة إليها نوعاً من النكوص الزمني.

مخرجات الحوار الوطني : 

مثّلت هذه المخرجات أرقى صيغة توافقية في اليمن “كما يقال!” .. لكن مشروع “الدولة الاتحادية المزمعة من ستة أقاليم” قوبل برفض مسلح فجّر الحرب. 

إن محاولة فرض صيغة إدارية وجغرافية أجهضت عسكرياً في مهدها وتبدلت موازين القوى في صنعاء والجنوب، يجعل من تطبيقها الحرفي أمراً شديد التعقيد.

القرار الأممي 2216 :

 كُتب هذا القرار بلغة “المنتصر” في الأشهر الأولى للحرب، حيث يطالب جماعة الحوثي بالانسحاب وتسليم السلاح كشرط مسبق. عملياً يتعامل المجتمع الدولي اليوم مع الجماعة كسلطة أمر واقع، وتجري معها تفاهمات مباشرة (مثل خارطة الطريق الأممية، والهدنة مع الولايات المتحدة)، مما يعني تجاوزاً ضمنياً لجوهر القرار 2216 الذي بات يمثل “شروط استسلام” غير قابلة للتطبيق دون حسم عسكري متعذر.

2 .*الفجوة بين الدبلوماسية والإستراتيجية:*

يواجه الموقف الدولي في اليمن حالة من الانفصام السياسي .. إذ تتمسك البيانات الرسمية بالمرجعيات الثلاث للحفاظ على المظلة القانونية للشرعية، بينما تتحرك الدبلوماسية العملية (الإقليمية والأممية) في مسارات براغماتية تبحث عن تهدئة اقتصادية وإنسانية مجزأة. 

هذا النهج التكتيكي يعكس قناعة ضمنية بأن شروط المرجعيات القديمة لا يمكن أن تشكل أرضية للتفاوض مع الأطراف المسيطرة على الأرض حالياً.

3 . معضلة البديل وغياب الشجاعة :

السبب الرئيس وراء استمرار التمسك بهذه المرجعيات رغم “موتها السريري” سياسياً، هو الخوف من الفراغ القانوني. إلغاء المرجعيات دون وجود إطار بديل متوافق عليه قد يؤدي إلى شرعنة فرض الأمر الواقع بالقوة، وتفتيت البلاد بشكل رسمي. ومن هنا يكمن العجز في غياب الشجاعة الدولية والإقليمية لصياغة مرجعية جديدة تستوعب الواقع الجديد وتضمن في الوقت نفسه أمن البلد واستقراره.

مطلوب هندسة جديدة للسلام :

لم تعد المرجعيات الثلاث أدوات لحل الأزمة، وهذا معلوم للمجتمع الدولي، لكنها تحولت إلى “مأزق قانوني” يُطيل أمد الجمود .. إن السلام المستدام في اليمن لن يتحقق بإنكار الواقع أو بمحاولة فرض نصوص عفا عليها الزمن، بل يتطلب شجاعة سياسية لإعادة هندسة عملية السلام ،ووضع القضية الجنوبية “وهي مرتكز السلام في البلد” في أولويات هذه الهندسة.

البديل ليس إلغاء المرجعيات بالكامل، بل البناء على روح التوافق فيها، وتحديث آلياتها لتستوعب الخارطة السياسية والعسكرية الحالية، وتقر حق شعب الجنوب في الإستقلال وبناء الدولة ،قبل أن يتحول جمود النصوص إلى تفتيت نهائي للجغرافيا .. والحليم تكفيه الإشارة..