شكلت التطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة منذ مطلع عام 2026 زلزالاً حقيقياً أعاد رسم خارطة النفوذ في المحافظات الجنوبية .
ومع الإعلان “من الرياض ” عن إنهاء البناء التنظيمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، والشروع في التذويب الفعلي للفصائل المسلحة الجنوبية وضخها في معسكرات الدفاع والداخلية، يواجه الشارع الجنوبي السؤال الأكثر مرارة:
هل جُرّدت القضية من مخالبها الميدانية لتمرير خارطة الطريق السعودية مع الحوثيين؟
نزع المخالب: تجريد القوة تحت لافتة “المؤسسة الشرعية”:
تنطلق المخاوف الجنوبية من حقيقة تاريخية أثبتت أن “القوة الصلبة” المتمثلة في الأحزمة الأمنية، وألوية العمالقة، وقوات الدفاع، والنخبة ، كانت هي المحامي الوحيد والمفاوض الحقيقي لمشروع استعادة دولة الجنوب منذ عام 2015.
ويرى تيار واسع من السياسيين والمراقبين أن دمج هذه القوات بصيغتها الراهنة، وإحلال قوات “درع الوطن” و” قوات الطوارئ ” الممولة سعودياً في المواقع الاستراتيجية، ليس تنظيماً عسكرياً بل هو استراتيجية إقليمية مدروسة، تهدف هذه الهيكلة إلى نزع أوراق الضغط الميدانية التي كانت يملكها الجنوب، مما يضمن للرياض المضي في تسوية شاملة مع صنعاء دون مخاوف من فيتو جنوبي يعطل الاتفاق .
الثروة المنهوبة: تمويل خارطة الرياض من نفط الجنوب:
لا تقف الهواجس عند تجريد السلاح، بل تمتد إلى الشريان الاقتصادي للجنوب. إذ تسود حالة من الرفض لبنود خارطة الطريق التي تفرض تخصيص نسب سيادية مرتفعة كما يقال (80%) من عائدات نفط وغاز حضرموت وشبوة لدفع مرتبات الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين .
بالنسبة للمواطن الجنوبي، تحوّلت التفاهمات الإقليمية إلى عملية مقايضة مجحفة تُسلب فيها مقدرات الجنوب التنموية لشراء تهدئة مؤقتة وتأمين الحدود السعودية، مما يعيد إنتاج صيغة الاستتباع الاقتصادي لصنعاء بوشاح ورعاية دولية .
مؤتمر الرياض: فرصة الشرعنة أم فخ الإحتواء؟
في محاولة لامتصاص هذا الغضب، تحاول الدبلوماسية السعودية تقديم “مؤتمر الحوار الجنوبي” في الرياض كطوق نجاة سياسي لصياغة رؤية موحدة، ومع ذلك يرى المشككون في هذا المسار أنه يمثل آلية “احتواء ناعم”؛ فالهدف الفعلي للمؤتمر بحسب قراءتهم هو تذويب سقف المطالب الاستقلالية العالية، واستبدال حلم “حل الدولتين” بصيغ فيدرالية فضفاضة أو حكم محلي منزوع السيادة، لا يهدد الاستقرار الهش للتسوية الكبرى.
مآل الحلم:
لقد نقلت ترتيبات عام 2026 القضية الجنوبية من مربع “فرض الأمر الواقع بالقوة” إلى مربع “الانتظار على طاولات التفاوض السياسية”.
إن تجريد الجنوب من قواته العسكرية المستقلة قد ينهي نظرياً خطر الصدام المسلح الفوري، لكنه يضع الحلم الجنوبي في مهب الريح، فالتاريخ اليمني يؤكد أن السلام الذي يُصاغ عبر تصفية أوراق قوة الشركاء وتحويل تطلعاتهم إلى “كبش فداء”، لا ينتج استقراراً، بل يزرع بذور جولة صراع قادمة ستكون أكثر شراسة .
