في هذه الأيام نقرأ ونسمع كثيراً من الأصوات التي تبارك وتهلل وتصفق لما يُثار حول بعض القضايا المتعلقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، بل إن البعض يذهب بعيداً في تأييد أي دعوات انفصالية أو استقلالية هناك، ويقدمها على أنها “حق مشروع” و”تعبير عن إرادة الشعوب”.

لكن المثير للاستغراب حقاً، أن هذه الأصوات نفسها تصاب بالصمت المطبق عندما يتعلق الأمر بقضية شعب الجنوب العربي، ذلك الشعب الذي يناضل منذ عام 1994، وقدم التضحيات الجسام لعقود طويلة من أجل استعادة دولته وهويته وقراره السياسي.

فأين كانت تلك الأصوات طوال أكثر من اثنين وثلاثين عاماً من المعاناة؟

وأين هي من آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين؟

وأين هي من شعبٍ عاش ويلات الحرب والإقصاء والتهميش ونهب الثروات وتدمير المؤسسات وتسريح الكوادر وحرمانه من أبسط حقوقه السياسية والاقتصادية؟

إن من يتابع المشهد يدرك بوضوح حجم الازدواجية في المعايير؛ فحين تكون القضية مرتبطة بمصالح سياسية أو حسابات كيدية، يتحول “الانفصال” إلى حق إنساني ومطلب عادل، أما حين يتعلق الأمر بشعب الجنوب وقضيته العادلة، فإن المفاهيم تنقلب، وتبدأ حملات لالتخوين والتشويه والتضليل.

لقد أثبت شعب الجنوب، على مدى سنوات طويلة، أنه صاحب قضية حقيقية وليست قضية طارئة أو موسمية. قضية متجذرة في الوجدان الشعبي، ومرتبطة بتاريخ وهوية وأرض وإنسان. كما أثبت، رغم كل الظروف القاسية، أنه ماضٍ في نضاله السياسي والشعبي حتى ينال حقوقه كاملة غير منقوصة.

إن العدالة لا تتجزأ، وحق الشعوب في تقرير مصيرها لا ينبغي أن يخضع للأمزجة السياسية أو الحسابات الضيقة. فمن يؤمن بحق تقرير المصير هنا، عليه أن يؤمن به هناك أيضاً، وإلا فإن الأمر لا يعدو كونه انتقائية سياسية ومواقف تفتقر إلى المصداقية.

وسيظل شعب الجنوب ثابتاً على موقفه، مؤمناً بعدالة قضيته، ومستنداً إلى إرادة شعبية واسعة لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها، مهما حاول البعض تجاهل الحقيقة أو القفز فوق معاناة شعب بأكمله.

كما نسأل الله تعالى في ختام هذا الحديث أن يحفظ أشقاءنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، وأن يصلح شأنهم وشأن جميع إخواننا في دول الخليج العربي وفي سائر الأقطار العربية والإسلامية، وأن يديم عليهم نعمة الأمن والاستقرار والرخاء. فمهما اختلفت المواقف والآراء السياسية، تبقى روابط الأخوة والدين والعروبة أكبر وأسمى من كل الخلافات، وتبقى وحدة الصف العربي والتكاتف بين الشعوب ضرورة لمواجهة التحديات والأخطار التي تحيط بأمتنا. نسأل الله أن يجمع الكلمة على الخير، وأن يحقن الدماء، وأن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشداً، إنه سميع مجيب الدعاء.

بقلم/ سعيد ناصر مجلبع بن فريد

8 مايو 2026