حين تتحدث الشعوب عن هويتها، فهي لا تكتب كلمات عابرة، بل تستدعي تاريخًا ممتدًا، وجغرافيا ناطقة، وذاكرةً لا يمكن محوها. هكذا هو الجنوب العربي… اسم لم يولد من فراغ، ولم يُصنع في لحظة سياسية عابرة، بل هو خلاصة تراكم طويل من الوعي والانتماء، ظل حاضرًا في وجدان الناس مهما تغيرت الظروف وتعاقبت المراحل.
اليوم، تتجدد هذه الحقيقة بوضوح أكبر، حيث تتجمع الإرادة الجنوبية حول اسمها وهويتها، رافضة كل محاولات الطمس أو التذويب. لقد جاء المجلس الانتقالي ليضيف لبنة قوية في مسار تثبيت هذا المفهوم، في لحظة تاريخية معقدة، تتشابك فيها الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لكنه استطاع أن يعيد توجيه البوصلة نحو جوهر القضية: هوية شعب وحقه في تقرير مصيره.
إن الجنوب العربي ليس شعارًا يُرفع، بل مشروع وطن يُبنى، وإرادة شعب لا يمكن الالتفاف عليها. اخترناه عن قناعة، وتمسكنا به عن إيمان، وسنمضي معه حتى النهاية، لأن الأوطان لا تُقاس بالمصالح المؤقتة، بل بالثوابت التي لا تتغير. سنقف عند كل حرف من هذا الاسم، نحميه، ونحفظ معناه، ونورثه للأجيال القادمة كعنوان للكرامة والسيادة.
وفي الوقت الذي نؤكد فيه عمق الروابط مع اليمن كشقيق في الجغرافيا والدين واللغة، فإننا نضع حدًا واضحًا بين الأخوة وبين فرض الخيارات. فالعلاقات بين الشعوب تُبنى على الاحترام المتبادل، لا على الإكراه، وعلى الاعتراف بالحقوق، لا على إنكارها. خيارنا الجنوبي لم يُفرض علينا، ولن يُنتزع منا، لأنه نابع من إرادة حرة لا تقبل الوصاية.
وتأتي فعالية الرابع من مايو لتكون تجسيدًا حيًا لهذه الإرادة… ليست مجرد فعالية جماهيرية، بل رسالة سياسية بامتياز، تُخاطب الداخل والخارج، وتقول إن الجنوب حاضر بقوة، وأن صوته لا يمكن تجاهله. إنها مليونية المليونيات، حيث يحتشد الناس ليؤكدوا أن قضيتهم ما زالت في صدارة المشهد، وأن حلم الدولة المستقلة ذات السيادة لم ولن يسقط.
هذه الرسالة لا تستهدف التصعيد، بل تسعى إلى تثبيت الحق، وإيصال صوت شعب يتطلع إلى دولة تحترم القانون، وتلتزم بالمواثيق الدولية، وتكون عنصر استقرار وسلام في محيطها الإقليمي والدولي. الجنوب العربي الذي ننشده ليس دولة صراع، بل دولة شراكة، لا يحمل مشروع عداء، بل مشروع بناء وتنمية، ويؤمن بأن موقعه الطبيعي هو بين الأمم ككيان مستقل، مسؤول، ومنفتح على العالم.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن الشعوب حين تقرر، لا يمكن لأي قوة أن تكسر إرادتها. الجنوب العربي اليوم لا يطلب إذنًا من أحد، بل يمضي بخطى ثابتة نحو مستقبله، مستندًا إلى تاريخه، ومتسلحًا بإرادة أبنائه.
هذا هو خيارنا… وهذه هويتنا… وهذا عهد لن يتغير
